السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩ترجمت مشاعر الكاتب، إلاَّ أنَّها تبقى ضعيفة فنيًّا؛ لأنَّ التشبيه هنا أوجد نوعًا من الانفصال بين التجربة الشعورية، أو الصراع الداخلي والموضوع الذي يعالجه. فالأداتان (كأنَّ، مثل) وقفتا حاجزًا منع المتلقِّي من تصوُّرِ الكاتب مندمجاً ومنصهرا في تجربته الشعورية كامل الاندماج، ومن ثمَّ كان الإيحاء والرمز في الصورة ضعيفًا.
ومن الصور التي اعتمدت على التشبيه ما وصف به مفدي زكريَّاء زبانية السجن الذين يراقبونه وبقية زملائه، الذين لهم من الغلظة والشدَّة ما جعلهم: "يحملون رؤوسًا كرؤوس الشياطين ومفاتيح كأرجل الخيل"(1).
زيادة على هذه الأداة (الكاف) التي أفسدت على المتلقِّي إحساسه بحقيقة معاناة الأديب السجين، فإنَّ التشبيه برؤوس الشياطين تشبيه بمجهول؛ لأنَّ حقيقة الشياطين غير معروفة(2) حتى ولو كانت مفزعة، إلا أنَّها تبقى عاجزة عن تقديم حقيقة ما يعاني منه الكاتب. ومن جهة أخرى فإنَّ الكاتب نحت هذه الصورة من ذاكرته، ولم يبنها من خياله، ولهذا جاءت باهتة وضعيفة فنيًّا.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيتهكم ببعض الناس الذين يصنَّفون في خانة العلماء، لكنَّهم في حقيقة الأمر هم بعيدون عن هذا المستوى؛ بدليل أنَّهم سرعان ما يزحزحون من مركز القيادة والصدارة بمجرد بروز من هو أحقُّ منهم بهذه المكانة. لكي يعبِّر الكاتب عن ذلك عمد إلى التشبيه وقال: … "بآية أنَّ علمهم لم يؤهِّلهم لقيادة الأمَّة، فتركوا القيادة لغيرهم، وأصبحوا كأدوات التصدير التي يسبقها حرف الجرِّ فيدخل عليها، ويعمل فيها"(3).
(1) مفدي زكريَّاء، شاعر النضال والثورة، ص: 268.
(2) لا نقدح في استعمال القرآن لهذه الصورة؛ لأنَّ للقرآن أسلوبه في التخويف والإنذار. كما جاء في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ سورة الصافات، الآية: 65. وهو تخويف بشيء لا يدرك كنهه، ولا تعرف حقيقته. يعمد القرآن إلى هذا الأسلوب حتى يهوِّل الأمر على الجاحدين والمنكرين لآيات الله، وعلى العصاة؛ ليحتاط الإنسان لنفسه فلا يتنكَّر لربِّه.
(3) عيون البصائر، ص: 639. المقال تحت عنوان " الأستاذ محمد بهجت البيطار". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:64 (24/ 01/1949م).