السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥٠

نلحظ هنا مماثلة هؤلاء الناس لأدوات التصدير، التي لا تثبت على حالها، حين يأتي ما يؤثِّر فيها، فتُجَرُّ مثلما يُجرُّ هؤلاء الناس من مكانهم بسهولة حين يأتي من هو أحقُّ بتلك المكانة. كما نلحظ أنَّ الكاتب استغلَّ ثقافته اللغوية لبناء هذه الصورة. مع ذلك تبقى ناقصة إيحاء وتكثيفا.

ولكي يشير الكاتب نفسه إلى الفراغ العاطفي لرجال الدين نحو الملَّة والوطن، هؤلاء الذين تنتخبهم الحكومة الفرنسية ليسيِّروا مصالحها في الجزائر، بعد أن توثِّق العلاقة بينهم وبينها، وتحلَّ روابطهم بالإسلام الذي يمثِّلونه. لكي يبيَّن أن هؤلاء هياكل بلا روح، وأنَّهم في مواقع المناصب التي يمثِّلونها لا يساوون شيئًا عبَّر بقوله: "ويومئذ يصبحون في الفراغ من المعاني الإسلامية كمدافع المتحف، كلُّ ما فيها من مظاهر الروعة: الاسم والصورة"(1).

يسخر الكاتب من هذا الصنف من الناس، الذين لا يملكون روحًا، ولا يحملون معنى، بل هم هياكل قابعة في مناصبها، تخدم غيرها، وتحقِّق مصالحها، ويختار لذلك صورة المدفع الذي يحتفظ به في المتحف، بعد أن يفقد مفعوله وروعته، التي يكون عليهما حين يكون في ميدان القتال. وقد رأى أنَّ هذه الصورة قادرة على تقديم حقيقة هذا الصنف وتقديرها، وتجسيد مشاعره الحقيقية نحو هؤلاء الناس، وكانت الوسيلة البلاغية (التشبيه) وأدواتها (الكاف) هي الدالة على ذلك. ولكن مع ذلك تبقى الصورة ضعيفة نسبيًّا، لا نلمس فيها ظلالاً نفسية وامتدادات شعورية؛ لأنَّها لم تمكنَّا من الولوج إلى داخل نفس الكاتب، لنعرف ما تعانيه، وإنَّما أبقتنا الصورة نتلمَّس الحقيقة من الخارج. هذا ما يسلم إليه التشبيه عادة. وقد قال إيليا حاوي: "فالكاف وكأنَّ وما أشبه هي وسيلة من وسائل التمييز الخارجي، ونتيجة لرغبة الإنسان في تحديد الأشياء، وفصل بعضها عن بعض فصلاً، تامًّا. إنَّ التشبيه يدلُّ على أنَّ النفس ما برحت تصدر إلى الخارج لتفهم الأشياء أكثر ممَّا تعانيها"(2).

(1) عيون البصائر، ص: 152. المقال تحت عنوان: "فصل الحكومة عن الدين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 142 (12/ 02/1951م).

(2) ينظر مجلَّة الثقافة، (وزارة الإعلام والثقافة بالجزائر) ع: 40، أغسطس، سبتمبر 1977م، ص: 65.

٣٥٠ / ٤٩٤