السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥١

هناك صورة أخرى للكاتب نفسه، قريبة من الصورة السابقة، صوَّرت هذا الصنف من الناس الموظَّفين الرسميِّين، الذين تنتدبهم السلطة الاستعمارية لمنافسة جمعية العلماء في أعمالها، لكن لخدمة أغراض السلطة الاستعمارية: … "وهي من ورائهم تتوارى، كما يتوارى سائق الحمار بالحمار، ثمَّ يخزه ليندفع على غير هدي الغريزة الحمارية، فلا يفهم الناس إلاَّ أنَّ وراء الحمار سائقًا، وأنَّه يسوقه إلى ما ليس في طبعه، أو ليس في قدرته"(1).

أمَّا "مامي إسماعيل" فيلجأ إلى وسيلة بلاغية أخرى، وهي "الاستفهام"، فيسخر من الذين يهزؤون بالدين، ويعرضون منصبه في المزاد العلني؛ فيتقدَّم إلى شغله كلُّ من هبَّ ودبَّ، ومن ليست له كفاية في تقلُّده: "وهل يتقدَّم للإفتاء المتدرِّبون، أي الذين ابتدؤوا يصلحون المساجد بالمكنسة، وارتقوا إلى مؤذِّن إلى حزَّاب إلى باش حزَّاب، إلى راوي حديث إلى إمام، وهم لا يفقهون من العلم شيئا"(2).

تكمن السخرية في هذا الاستفهام الإنكاري التقريعي التحسُّري من هذا الانحراف عن الفطرة، والقلق من هذه الإهانة، وهذا الازدراء بالدين، حين يكون سبب الارتقاء إلى هذا المنصب الخطير في حياة المسلم هو الجهل المطبق. هكذا يقدِّم الاستفهام صورة من الأحاسيس وامتداداتها وظلالها، التي تجذِّر في نفس المتلقِّي مشاعر الاستياء ومعاني الاستنكار والتذمُّر من هؤلاء العابثين بالدين.

هذه نماذج من الصور التي اعتمد فيها الأدباء على وسائل بيانية بلاغية للإفصاح عن مشاعرهم. غير أنَّ التصوير بدا فيها محدودًا، تنقصه التلميحات الرامزة والإيحاءات النفسية، والتكثيف الذي يفجِّر طاقة اللفظة، ويسبر غور النفس الشاعرة. وهو ما يكشف عن عبقرية الأديب، وعن ضروب إبداعه. هذه المواصفات أو بعضها نعثر عليها في الشكل الآتي:

(1) عيون البصائر، ص: 417. المقال تحت عنوان: "في كلِّ ناد أثر من ثعلبة ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 152 (23/ 04/1951م).

(2) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 102.

٣٥١ / ٤٩٤