السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢2 ـ الصورة الإشارية المكثَّفة:
"الصورة الإشارية وسيلة من وسائل التعبير يستعملها الشاعر في وضع خاصٍّ، كأن يورد سطرًا أو مقطعًا لشاعر سابق بين ثنايا كلامه، أو يستخدم لغته وإيقاعه في تضاعيف لغته وإيقاعه"(1). أو هي تلك الصورة التي يقدِّمها لنا الشاعر معتمدًا على لفظة قرآنية، أو جملة منه أو مشهد(2). أو صورة يستلهمها ويضعها في سياق خاصٍّ، ويصوغها صياغة شعرية، يضمِّنها دلالات معيَّنة، ويمنحها طاقة تصويرية، بغية الإفصاح عن المكنون وإطلاع الغير على عالمه الداخلي.
يسخر "إيَّاس" من الطرقية، ومن أحد أشياخهم، الذين يدَّعون أنهَّم يملكون كلَّ شيء، وأنَّهم الغاية في العلم، والمنتهى في فقه الشريعة، فيقول عنه: "فلا يعجزه أن يأتي بدليل يبيح به حرامًا، أحوجتنا الضرورة إليه، فأمُرُ الشرع بيده، يمحو ما يشاء ويثبِّت"(3).
تبدو سخرية الكاتب في هذا التصوير المعرِّض، الذي يبرز الشيخ عارفًا بكلِّ شيء، وعالماً وألمعيًّا، حتى إنَّه لا تعجزه قوَّة يغيِّر بها ما فرضه الله من حلال وحرام، تدعو إليه ضرورة السير في منهج الطرقية. لكي يبني الكاتب هذه الصورة استلهم قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾(4).
لجوء الكاتب إلى هذه الإشارة القرآنية كان لغاية إظهار مقته واحتقاره هذا الصنف من الناس الذين كثرت مزاعمهم، واستفحلت ادِّعاءاتهم، حتى تطاولت على الله، وهو ما كان يسود حياتهم. فبهذه الصورة الإشارية وإحضاره للأذهان مضمون الآية، التي صاغها صياغة جديدة، ومنح ألفاظها طاقة تصويرية، ودلالات خاصة، بكلِّ ذلك أعان الكاتبُ المتلقِّي على الاطِّلاع على عالمه الداخلي. وهذا هو دور الصورة الإشارية.
(1) الدكتور نعيم اليافي، "الصورة الإشارية في القصيدة الشعرية"، الشعب الأسبوعي، (الجزائر)،ع:36 (20/ 03/1976م)، ص: 18.
(2) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 111.
(3) إيّاس، "جلسة المخذولين "، جريدة وادي ميزاب، ع:81 (04/ 05/1928م).
(4) سورة الرعد، الآية: 39.