السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥٣

أمَّا مفدي زكريَّاء فيفجِّر ما في قلبه من كره واحتقار لمحي الدين باشتارزي، الذي كتب عنه مقالاً يَنْعى عليه سعيه في نشر الفساد بواسطة أعماله المسرحية. لم يعجب محي الدين هذا التعليق، فردَّ عليه. فكتب مفدي بدوره تعليقا آخر، يصوِّر فيه بوء محي الدين بالفشل في الردِّ، استحضر فيه مشهد فرعون مع قومه، الذين أشاروا عليه بإرسال النداء في الأرض ليأتيه السحرة من كلِّ مكان فيبطلوا سحر موسى. قال تعالى: ﴿قَالُوا ارْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ في الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾(1).

قال مفدي زكريَّاء: "لما قرأ انتقادنا حاص وباص ودارت به الأرض الفضاء، وأرسل في المقاهي والكباريات حاشرين، يأتون بكلِّ كاتب عليم"(2).

نستخرج من النص امتدادات شعورية ودلالات نفسية، بقدر ما نتمكَّن من إيجاد علاقات بين مشهد القرآن والصورة الإشارية: بين النصين معنى الاستنجاد بالغير للدفاع عن النفس، ومعنى الفشل الذريع في إظهار التفوُّق على المناوئ أو المنافس أو المقارع، ومعنى السلوك مسلكًا مشينًا، منافيًا للأخلاق الفاضلة؛ ممارسة السحر بالنسبة لقوم فرعون، وارتكاب الموبقات بارتياد الكباريات وما شابهها بالنسبة لمحي الدين … وغير ذلك من المعاني والدلالات التي يمكن استخراجها من هذه الصورة الإشارية المكثفة، ذات الإيحاءات الكثيرة الرامزة. وهي في عمومها تكشف عن مشاعر السخط والتذمُّر والاحتقار والازدراء.

نبقى مع الصورة الإشارية المبنية من مشاهد قرآنية خالصة، فنلتقي مع محمد البشير الإبراهيمي الذي يستلهم بدوره أحد مشاهد قصَّة موسى - عليه السلام -؛ ليصوِّر أحد مواقف محمد السعيد الزاهري(3) وتذبذبه في انتمائه وانتسابه إلى فئات مختلفة وهيئات كثيرة متباينة النزعات. يشير الكاتب إلى ذلك معرِّضًا ساخرًا: "ولو

(1) سورة الأعراف، الآيتان: 111، 112.

(2) إلى البلبل الزعلان، (د. إ)، جريدة الأمَّة، ع:101 (08/ 12/1936م). النص لمفدي زكريَّاء.

(3) عن أسباب الخلاف بين الإبراهيمي ومحمد السعيد الزاهري، ينظر آثار محمد البشير الإبراهيمي ج3، ص:121. وفنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 137.

٣٥٣ / ٤٩٤