السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥٤

آنست في ذلك العهد من جانب الطرقية نارًا، لقلت في غير تردُّد إنِّي أجد على هذه النَّار هدى"(1).

قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوَ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾(2).

في الإشارة إلى المشهد القرآني سخرية وتعريض بالزاهري. هذا التهكم أوجده التحوير الذي أحدثه الكاتب في فحوى المشهد القرآني؛ ليستجيب لمشاعره وعواطفه، وبذلك ينال من خصمه ويعبث به. فموسى - عليه السلام - خرج من مصر هاربًا من الأقباط، راجعًا إلى مدين، فتاه في الطريق وضلَّ السبيل، فقصد نارًا رآها ليأتي منها بقبس يستدفئ به وأهله، وليحصل على ما يهديه إلى الطريق الصحيح، فهو انتقل من ضلال إلى هدى. بينما يقصد الزاهري نار الطرقية؛ لينتقل من ضلال إلى ضلال. إذن إنَّ هُدَى الطرُقية هو ضلال عن سواء السبيل.

فحين نستحضر أنَّ الزاهري كان عنيفًا على الطرقية، وكان يحاربها حربًا شديدة، نقف على قوَّة تعريض الكاتب وشدَّة تهكمه به. فيكون الهدى الذي ينشده هو الحمى الذي يحميه من ضربات المصلحين وأعضاء جمعية العلماء، ولو كان هذا على حساب المبادئ والأصول، بدليل قول الكاتب بعد ذلك: "ثمَّ وقع بك الحظُّ على هؤلاء القوم (أي الشيوعيِّين) أو وقع بهم عليك، وهم لم ينسوا ماضيك معهم، وإنَّما يتناسونه لأمر ستنجلي عنه الغيابة"(3).

يستلهم الكاتب نفسه نداء نوح - عليه السلام - … ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾(4) ليتحدَّث عن مصر، ويصوِّر محنتها مع الاستعمار الإنكليزي، الذي تمادى في ظلمه، إلى حدٍّ لم تطق مصر توقيفه، ممَّا دفع بها إلى توكيل الأمر إلى الله: … " وتركت للأقدار ما

(1) عيون البصائر، ص: 636.المقال بعنوان "إلى الزاهري" نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:61، سنة 1948م.

(2) سورة طه، الآيتان: 9، 10.

(3) م. ن.

(4) سورة القمر، الآية: 10.

٣٥٤ / ٤٩٤