السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥٥وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظالمه، ومن نصر النظارة، يركب الحدَّ الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربَّه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ "(1).
فنوح الذي انتهى جهده ونفذ صبره، ويئس من استجابة قومه لدعوته، نادى ربَّه، وطلب منه نصرته ونصرة أمره، وقال له انتصر لحقِّك. هذا المشهد استوحاه الكاتب ليصوِّر به الحالة المزرية التي آلت إليها مصر؛ بسبب محنتها مع الاستعمار الإنكليزي.
في ذلك تلميح خفيٌّ للمصريين ليرجعوا إلى ربِّهم، ويطلبوا النصر منه، لا من غيره؛ لأنَّ من ينصر الله ينصره. ندرك هذه الملاحظة حين نستحضر السياق الذي وردت فيه الآية، وما حكاه القرآن بعد ذلك بأنَّ الاستجابة لدعاء نوح كانت سريعة(2): ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾(3). فالمعاني التي أوجدتها الصورة، والمشاعر التي فجَّرتها، أشارت إليها الآية القرآنية. هذه "الإشارية" تمَّت بفضل حسن ربط الكاتب بينهما مع تحوير بسيط؛ إذ الآية ذكرت أنَّ نوحًا سلَّم أمره إلى ربه بعد أن بذل جهده وقام بواجبه. والنص أشار ولمح إلى المصريين أن يبذلوا مزيداً من الجهد، في مقارعة العدوِّ؛ لأنَّهم لما يستنفذوا كلَّ طاقاتهم؛ ولم يتَّبعوا كلَّ السبل، منها سبيل استنصار الله لينصرهم.
التحوير اللطيف الذي قام به الكاتب ضروريٌّ ليستجيب للموقف الذي يريد إبرازه، والفكرة التي يحرص على تبليغها، وهي الاعتماد على النفس في الجهاد مع استنصار الله. هذا الموقف هو بمثابة بداية جديدة للجهاد. بينما عبارة القرآن أفادت نهاية الجهاد؛ لأنَّ نوحًا نطق بالعبارة بعد عناء كبير وعمل طويل، وبعد ذلك جاءت نهاية القوم، وهي الغرق والفناء، هذا المشهد أنهى عمل نوح.
(1) عيون البصائر، ص: 549. المقال بعنوان "محنة مصر محنتنا ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:174 (05/ 11/1951م).
(2) ينظر في ظلال القرآن، مج6، ج27، ص: 3430.
(3) سورة القمر، الآيتان: 11، 12.