السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦الكاتب نفسه يتهكم من المغرضين، الذين ينالون من الإسلام، وينتقدون تعاليمه وأحكامه، فيظهر انهزامهم في المناقشة والمناظرة. يستعير لتصوير ذلك صور المنافقين في الانهزام والاندحار كما رسمها القرآن: "ولقد ناظرنا جماعة منهم في الموضوع (موضوع المرأة) فأفحمناهم وألقمناهم حجرا. قلنا هاتوا مثالا نتناقش فيه، فقالوا: الميراث، قلنا من أيِّ جهة فإنَّ المرأة ترث بعدَّة أسباب، فنظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد. وكادوا يتسلَّلون، وكأنَّهم كانوا لا يعرفون إلاَّ أن المرأة مظلومة في القرآن الذي يقول للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين"(1).
هذه الصورة تقدِّم ظلالا كثيرة، تمعن في السخرية؛ اعتمادًا على ما أشارت إليه الآية الكريمة: وهي تقدِّم وصفا للمنافقين: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِنَ اَحدٍ ثمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأنَّهُم قَومٌ لا يَفْقَهُونَ﴾(2).
بين صورة الكاتب وصورة القرآن تشابه كبير:
1 - من حيث وصف هؤلاء المغرضين وأولئك المنافقين بعدم الاعتراف بالحقّ حين يظهر. وهذا ما يجعلهم قابعين في ضلال مبين.
2 - من حيث وصفهم بالمنهزمين والمدحورين، الذين لا يثبتون في المجادلة؛ لوهن حججهم. إلاَّ أنَّ الصورة القرآنية صوَّرت انهزامهم ووهن نفوسهم، وبيّنت أنَّهم يتسلَّلون في حذر، حتى لا يشعر بهم أحد. بينما صورة الكاتب ذكرت أنَّهم كادوا يتسلَّلون. وفي هذا التحوير في الصورة القرآنية ضعف ونقص. إلاَّ أن يكون الكاتب قد قصد أنهم – لقوَّة الهزيمة وشدَّة وقعها في نفوس المسخور منهم- بقوا جامدين في أماكنهم فلم يستطيعوا حراكا.
3 ـ الصورة الإشارية المفصَّلة:
قد يعمد الأديب في التصوير إلى التوسُّع في الإشارة؛ رغبة منه في مزيد الإفصاح عن مكنون نفسه فيستعير صورًا متعدِّدة، أو يعدِّد الإشارة إلى جزئيَّات