السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥٧صورة واحدة، ويمنحها دلالات شعورية خاصة؛ وذلك للتشابه الفكريِّ والنفسي، الذي يلحظه الأديب بينها والصورة التي يريد أن يرسمها.
فمحمد السعيد الزاهري يتهكم من "سكيرج" الذي كان شديد المناوأة للمصلحين، وقد توعَّد بتوقيف جريدة "البرق" التي كان يصدرها محمد السعيد الزاهري.
وقد زاوج في هذا التهكم بين الاسترحام المفتعل، وعدم الاكتراث بهذا التهديد والإصرار على المضيِّ في نهجه الذي اختطّه لنفسه؛ تعريضًا وسخرية، بانيًا صورته من إيضاءات قرآنية، كيَّفها وفقًا لما يستجيب لمشاعره ونفسه، التي تشتطُّ غضبًا على "سكيرج" ومن هم على شاكلته من الطرقية: … "يا سكيرج لا إله إلاَّ أنت، يا سكيرج سبحانك إنِّي كنت من الظالمين، لا تعطِّل جريدة البرق، ولا تصدر فيها إرادتك السنية" … ثم ينقلب عليه بعد هذا الاسترحام التهكمي: … " فإن قامرت أن تعطِّل البرق، ولم تفعل، فأنت كذَّاب أشر، اقض ما أنت قاض يا سكيرج" …(1).
الصورة الإشارية المفصَّلة هذه فيها قسمان: قسم الاستعطاف الماكر، الذي بناه الكاتب من مشهد يونس - عليه السلام -، وهو يناجي ربَّه، يسترحمه ويستغفره ممَّا صدر منه، ويطلب منه النجاة(2). وقسم عدم المبالاة بتهديدات "سكيرج" الذي بناه من مشهد سحرة فرعون، الذين لم يأبهوا بتهديد فرعون لهم، حين أعلنوا إيمانهم بالله بعد أن تفوَّق عليهم موسى وهزمهم(3).
من هذه الإشارات الفنية يعطي الكاتب للمتلقِّي فرصة اكتشاف عالمه النفسي الداخلي، وما يعتمل فيه من أحاسيس ومشاعر متأجِّجة. فهو لم يعلن عنها مباشرة، إنَّما ترك إدراكها للذَّوق والمعرفة.
(1) تأبَّط شرًّا، جريدة البرق، ع:3 (21/ 03/1927م).
(2) ينظر سورة الأنبياء، الآية: 87.
(3) ينظر سورة طه، الآية: 72.