السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

أمَّا محمد البشير الإبراهيمي، الذي كانت معاركه مع الحكومة الفرنسية، ومع من يسير في ركابها، ومن تسيطر عليه، كانت حامية وطويلة، فقد كتب يتهكم بالمجلس الجزائري، الذي لا يملك من أمره شيئًا، ولا من الاستقلالية في إصدار القرارات، ومن الحرية في التشريع شيئاً: "ولا يظنُّ الخليُّون الغافلون من الفريقين أنَّ المعارك بيننا وبين الحكومة الاستعمارية في قضية المساجد والأوقاف انتهت بهذه الطريقة الهازلة الشوهاء، التي تمخَّض بها المجلس الجزائري، ووضعها لأقصى أمد الحمل، بعد آلام وأوجاع، زاد في فظاعتها أنَّ حمله بها كان عن سفاح، ولا عجب إذا حملها كرهًا أن يضعها كرهًا"(1).

يتهكم الكاتب بالمجلس الجزائري، الذي لا يملك سوى أن ينطق بما تمليه عليه الحكومة الفرنسية؛ دليل ذلك أنَّه حين ناقش قضايا المسلمين في الجزائر، طالت هذه المناقشة، مع كلِّ ذلك جاءت شوْهاء بعيدة عمَّا ينتظره المسلمون، وبعيدة عن الاستجابة لحقوقهم. وقد عبَّر الكاتب وصوّر تذمّره وشعورَه بخيبة أمله بالتصوير الإشاري المعتمد على المقولة المشهورة "تمخَّض الجبل فولد فأرًا"، وعلى تعبير قرآني، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أمُّه كَرْهًا، وَوَضَعتْهُ كَرْهًا﴾ …(2).

في هاتين الإشارتين تصوير ساخر لأعضاء المجلس الجزائري، الذين يعانون عسرًا كبيرًا في تحرُّكهم داخل المجلس، سواء في الانسجام مع ما يعرض فيه، أم في الخروج بأفكار يهضمها ويقتنع بها. وهو ما يجعل أعضاءه يطيلون النظر، ويمدِّدون في المناقشة ثمَّ لا يتمخَّض كلُّ ذلك إلاَّ عن تافه من الأفكار.

هكذا أراد الكاتب أن يصوِّر هذا المجلس، وهكذا أراد أن ينقل مشاعره، وأن يفصح عن رأيه باللجوء إلى ما تختزن ذاكرته وذاكرة الملتقِّي من الإشارات لبناء صورته الإشارية هذه.

(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273.

(2) سورة الأحقاف، الآية: 15.

٣٥٨ / ٤٩٤