السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩يتذمَّر "الحفناوي هالي" من تضييق المستعمر على الحرية، ويتألَّم من عدم شعور الناس بهذا التضييق وهذا الحرمان. فيكتب مصوِّرًا هذه المشاعر، مُلَمِّحًا رامزًا، معتمدًا على صورتين معبِّرتين، هما صورة ابن الوزير السجين، الذي لم يَرَ في حياته إلاَّ الفأر، فكان يقيس ويناظرُ كلُّ ما يشاهده بالفأر، ومشهد قرآني، مخبر عن مظهر "الوليد بن المغيرة المخزومي" وهو يفكِّر كيف ينطق بكلام في حقيقة القرآن، يجنِّبه سخط قريش، ويدنيه قليلاً من الواقع. وهو ما سجَّلته الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر ثمَّ قُتِلَ كَيْفَ قدَّر ثمَّ نَظَرَ ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِن هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُوثَرْ﴾(1).
" … وعلى ذلك فحرية القول – مثلاً- هي عندهم (أي المستعمرين) أن تفكِّر وتقدِّر، ثمَّ تفكِّر وتقدِّر ثمَّ تقول – مع احتياط - قليلاً قليلاً من القول؛ لأنَّك تتحدَّث أو تكتب لناس حازت عقولهم مناطق حريَّتها، ولا يسمحون لعقلك باحتلالها لتتركهم بلا عقول. أمَّا حرية القول عندما نحن أحفاد الوزير فإنَّ أساسها:
إذا لم تكن تنفع فضُر، فإنَّما يُرجى الفتى كيما يضرُّ وينفعا
وهل بإمكان السجين أن ينفع؟! "(2).
المشابهة الفكرية والنفسية بين الصورة الإشارية المفصَّلة، وما في المشهدين الآخَرين تبدو في كون ابن الوزير أميًّا لا يفقه شيئًا في هذه الحياة، سوى ما أتيح له أن يراه وهو الفأر. المتسبّب في ذلك هو من وضعه في السجن، وحرمه من حقِّ المعرفة. وفي كوننا نحن أميِّين ومتخلِّفين في معرفة حقوقنا وحقيقة حريَّتنا، إلاَّ ما تعمَّد أو أراد الاستعمار منحه لنا، فاطمأننَّا إلى ذلك النَّزر القليل، واقتنعنا بحالتنا، وبهذه الحرية القليلة.
وفي مشهد الآيات وصور الكاتب مطابقة بين خوف الوليد بن المغيرة من التصريح بما يغضب قريشًا، وخوفنا نحن من الاستعمار؛ بتوضيح حقيقة الحرية
(1) سورة المدثر، الآيات: 18 - 24.
(2) الحفناوي هالي، " أحبُّ عيش الحرية "، جريدة البصائر الثانية، ع:306 (18/ 02/1955م).