السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦٠والتصريح بمطالبنا في الحصول عليها، وهو ما يغضب العدوَّ، ويؤلِّبه علينا. فكان التفكير في كيفية التصريح، وإعادة النَّظر والتأمل فيه، وأخذ الحذر من التلفظ بما لا يساير الأهواء ويثير الحفائظ. كان ذلك ما يميِّز الموقفين.
مع ذلك كان إرضاء بعض الحقيقة مطلبًا نفسيًّا "إنْ هذا إلاَّ سحر يوثر" في المشهد القرآني، "ثم تقول – مع احتياط - قليلاً قليلاً من القول" في الصورة الإشارية المفصَّلة.
"هكذا تكشف الصورة الإشارية المفصَّلة عن المواقف، وتفصح عن المشاعر بشيء من التفصيل، مع إرشاد القارئ أو المتلقِّي إلى مصادرها"(1).
هذه الإشارات وهذا التفصيل، وهذا الإرشاد إلى المصادر لا يقدح في القيمة الفنية للتصوير إلاَّ أنَّه يكون أقل فنية وإثارة للمشاعر في المتلقِّي من الإيحاء الذي يُترَكُ له مهمَّة الاكتشاف وملء الفجوات، وهو ما نجد له أمثلة في الشكل الآتي:
4 ـ الصورة الإيحائية:
هي تلك الصورة التي تعتمد على اللغة الموحية، التي ترسم ظلالاً وامتدادات شعورية، لا نهاية لها؛ استجابة لتدفُّق المشاعر. أو هي تلك الصورة التي يصعب – أحيانًا - على المتلقِّي مسك أطراف أصولها التي استلهمها الأديب. ولا يمكن له الاهتداء إلى تلك الأصول إلاَّ إذا كان في حالة حضور ذهنيٍّ يقظ، وكان قادرًا على الربط بينها وبين الحالة النفسية للأديب، وعقد رابطة شعورية معه. لتتوفَّر له المتعة الفنية، بعد أن يكتشف جمالية الصورة.
فابن أدهم القسنطيني يتهكم من العليوي المناوئ للمصلحين، وينكر عليه ادِّعاءه إنجاب ولدٍ، كان قد نسبه إلى نفسه، وهو العقيم. بعد أن يستعرض كلَّ
(1) أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 237. الإشارة إلى الآيات نفسها وردت في مقال "قرد الميلية "، جريدة الشعلة، ع: 24 (25/ 03/1950م).