السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦٢

كشفت الصورة عن الأسى والحزن اللذين ملآ قلب الكاتب، وهو يشاهد الأوضاع تزداد سوءًا في الجانب الديني، وقد كان للطرقيِّين الذين استفحل خطرهم دور كبير في هذا التردي. وقد جاءت لفظة (ببركتك) مكثِّفة لهذه المشاعر، ساخرة من الشيخ محتقرته؛ إذ أنَّ مجهودات الشيخ كانت كبيرة وبارزة في انتشار البدع، وقد كانت في العليوي البركة في رجوع التصوُّف إلى صباه. وهل يكون هذا تندُّرًا وتنكيتًا بالشيخ على غرار مقولة (رجوع الشيخ إلى صباه)؟!. هذا التعبير يفتح مجالاً للتَّأويل، بقدر ما يُتمكَّن من الربط بين التعبيرين وإيجاد ضروب المشاكلة بينهما.

في هذا التصوير إشارة إلى نشاط التصوُّف من جديد بعد خفوته قليلاً (بفضل عمل المصلحين) خاصة وأنَّ هذه السنة (1932م) التي نشر فيها النص، شهدت ميلاد جمعية علماء السنة المناوئة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين. وقد أسَّسها بعض من كانوا في جمعية العلماء بعد أن انسحبوا منها.

في الصورة اعتراف ضمني بالمناوأة والمشاكسة والاستمرار في مضايقة المصلحين؛ لأنَّ الجوَّ أصبح مهيَّأ للطُّرقيِّين فيه الأمن والطمأنينة. كلُّ هذه المعاني وغيرها، وفَّرتها هذه الصورة الإيحائية.

أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيحزنه ويؤلمه أن يتلاعب المستعمرون بالمسلمين، فيلهونهم بالوعود الخلاَّبة الكاذبة، ويمنّونهم بالحرية، ليكفُّوا عن المقاومة. يحزُّ في نفسه ذلك فيكتب متهكما ساخرَا، منفسًا عن نفسه، مستغلاًّ دلالة دينية، وهي واجب تأدُّب المسلم مع صلاة الجمعة. تتمثَّل هذه الدلالة في السكون والخشوع والإنصات … حتىَّ لا تبطل صلاة المسلم: … "وعلمت مصر -كما علم غيرها- أنَّ الشعار الكاذب لحرب 14 - 18 هُو وعود المتحاربين للأمم الضعيفة بأنَّ نهاية الحرب هي بداية تحريرهم، فليسكتوا إلى حين؛ لأنَّ السلاح خطيب جمعة، يجب الإنصات له، ويحرم الكلام معه"(1). قام الكاتب بتغيير فنِّي في الدلالة الأصلية للمقولة، التي تعني

(1) عيون البصائر، ص:549. المقال بعنوان: "محنة مصر محنتنا". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 174 (05/ 11/1951م).

٣٦٢ / ٤٩٤