السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

وجوب الامتثال لهذه الأوامر: الإنصات الكلِّي والخشوع، والحضور روحيًّا مع الخطبة. هذه الشروط هي التي تضمن قبول هذه العبادة (صلاة الجمعة). هذه الأمور الإيجابية في عبادة المسلم، تصبح سلبية ومخزية في حياة المقاوم المسلم، الذي يحكم عليه المستعمر أن يستسلم لإرادته، ويرضخ لأوامره، ويتقبَّل كلَّ مخطَّطاته، ويتحرَّك وفق توجيهاته، ويكون محترمًا لكل ذلك، متلزمًا بالخطِّ المرسوم …

كلُّ هذه النتائج التي كانت مضمَّخة بعاطفة الكاتب الكئيبة … أوحت بها هذه اللوحة الفنية الساخرة، التي حاول الكاتب من خلالها التنفيس عن نفسه المكلومة، والترويح عن قلبه المجروح.

ممَّا عرضناه من نماذج التصوير في الأدب الجزائري الساخر. وهي أمثلة قليلة بالقياس إلى كثافة المادة التي جمعناها في الموضوع، نسجِّل أنَّ التصوير فيها كان مفتقرًا إلى الإبداع والتجديد؛ إذ أغلب الصور التي لحظناها كانت مستلهمة ومستمدة ومبتناه من صور سابقة، إلاَّ ما حاول الأدباء تغييره وتحويره؛ ليستجيب لحالاتهم النفسية والفكرية كما أنَّ عنصر التكثيف فيها كان قليلاً، والتشكيل الموسيقي المؤثِّر في التصويركان ضعيفًا، أو على الأقلِّ كان قليلاً. لكن هذا التصوير كان معبِّرًا، مبلغًا ما كان يقصد الأديب تبليغه.

ربَّما كانت لهذه الظاهرة أسباب: من بينها ضيق أفق ثقافة الأدباء الفنية، وانحسارها في الثقافة الفنية التقليدية. والثقافة الأدبية العربيذة بخاصة. ومنها مسايرة الأدباء لمستوى الجمهور المخاطب، والمعنيِّ بذلك الأدب. وقد ارتبط هذا بمفهوم الأدب ووظيفته عند أغلب الأدباء، وهي الوظيفة الاجتماعية، التي لا تخرج عن دائرة الإصلاح والتقويم والتهذيب والتوجيه والدعوة إلى النهوض، وهي خاصية، عرف بها الأدب الجزائري بعامة في الفترة التي نحن بصدد دراستها(1) ولهذا كانت مراعاة مقام المخاطبين من صميم رسالة الأديب.

(1) ينظر الدكتور محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث … ص: 66 وما بعدها.

٣٦٣ / ٤٩٤