السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥إذن إنَّ الأديب "لا يكون رمزيًّا باختياره وإرادته، وإنَّما هو مُضطَرٌّ إلى ذلك اضطرارًا، لأنَّ الأدب ليس إلاَّ تعبيراً بالألفاظ والجمل، أي إنَّ أداته هي اللغة، وتلك اللغة لا تعدو أن تكون رموزًا مثيرة وإشارات موحية بالعواطف والانفعالات"(1).
وقد عرف الأدب الجزائري ألواناً من الرمز، استخدمه الأدباء تحت ضغوط الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية … حرصًا منهم على الإفلات من الرقيب. قال د. محمد ناصر: "إنَّ استخدام هذا الأسلوب دافع موضوعي وطني، يقف وراءه الإحساس بمسؤولية الكلمة ودور الشاعر في مواجهة الظلم والجبروت، بأية طريقة كانت، حتىَّ ولو كانت إيحاءً وتلميحًا"(2).
لا نقصد بالرمز الذي استعمله الأدباء الجزائريُّون، مصطلح (الرمزية) كما هو في الاتّجاه الأدبي المعروف بالمذهب الرمزي، الذي نشأ في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، متأثِّرًا بالفلسفة المثالية الألمانية. إنَّ ما نعنيه هو الأسلوب الذي يرتكز على التحايل والتعريض والتلميح، والذي استغلَّه الأدباء في التعبير غير المباشر وإفراغ تجاربهم في قالبه، لمنع وصولها إلى من لا يرغبون أن تصل إليهم، وفي الوقت نفسه يحقّق أهداف الأدباء المعنوية قبل كلِّ شيء. أي إنَّ الرمز الذي نعنيه هو ذلك الإيحاء الخفيُّ المؤثِّر الذي يستعمل اللغة أداة تصوير وتبليغ، ليحقِّق الأهداف التربوية والإصلاحية، ويبلِّغ عن النفس ما يعتمل فيها من مشاعر، وعن الشخص ما يتبنَّاه من أفكار، دون الإيغال في الرمزية المذهبية. وإن كانت النماذج التي سنعرضها تتوفَّر على حدٍّ أدنى من الإيحاء والتلميح والتعريض.
نشير في البداية إلى أنَّ الرمز يدخل في نسيج كثير من الكتابات الأدبية. فهو يعدُّ عنصرًا أساسيًّا في كثير من الأساليب البلاغية. بل لقد وصف قدامة بن جعفر البلاغة بأنَّها "لمحة دالَّة "(3) والإشارة رمز، والتشبيه والإيجاز والمجاز بما فيه من استعارة
(1) قضايا النقد الأدبي، ص: 129.
(2) الدكتور محمد ناصر، "تطوُّر الرمز في الشعر الجزائري"، مجلَّة الثقافة (الجزائر)،ع: 94، ذو القعدة- ذو الحجَّة 1406هـ/ يوليو- أغسطس 1986م، ص: 153.
(3) ينظر أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص: 147.