السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦٧لحظنا أنَّ بعض النصوص كانت عبارة عن نزغات ولذعات وإشارات رامزة، معرِّضة متندِّرة ساخرة من فكرة معيَّنة، أو سلوك شاذ، أو من أشخاص معيَّنين، يمثِّلون نماذج من الانحراف الديني أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك. كما في مقالَيْ "محمد البشير الإبراهيمي: "أكبر زلَّة ترتكبها لجنة الأهلَّة"(1) وفي "صميم القضية الدينية: بداية النهاية"(2) هذا المقال كان كلُّه سخرية شحنت حماسة وتهديدًا وتحذيرًا وغضبًا على من كان السبب في المساس بالدين وبالمقوِّمات الأساسية للشَّعب الجزائري أو الأمَّة الإسلامية.
فحين يتأكَّد الاستعمار أنَّه أمسك بخناق الأمَّة، ووقف على نقط الضعف فيها، ويطمئنَّ إلى أنَّها ضعفت وذلَّت، وأنَّها لن تقوم لها قائمة … هنا يبرز وينهض من يفنِّد هذه المزاعم، وهذه الادِّعاءات وهذا الغرور بالأسلوب الساخر الهازئ، الذي يتخلَّله الرمز والتلميح. هذا ما لمسناه في المقال آنف الذكر.
من أنواع الرمز الذي استخدمه الأدباء في الإفصاح عن مشاعرهم، والإبانة عن أفكارهم، الرمزُ اللغوي "الذي يتبلور في كلمة واحدة"(3)، إذ بواسطته يحاول الأديب تصوير موقف أو مشهد بطريقة مركَّزة موحية.
إنَّ بعض الألفاظ تحمل دلالات لغوية، يأتي الأديب فيصيِّرها رموزًا على فكرة أو سلوك أو مشهد(4)، وبذلك يختصر الطريق بينه والمتلقِّي. حين أراد أحد أفراد الطرقية أو أتباعهم التعبير عن تذمُّره من المصلحين، والسخرية منهم والتندُّر بأعمالهم، لجأ إلى لفظة "الفراشية" التي تحمل دلالات: الحمق والسفاهة والهوان والوهن والطيش والتشويش … إذ أنَّ الفراشة تلقي بنفسها إلى التهلكة؛ بحومها حول الضوء والنور، الذي يكون فيه موتها وفناؤها. هذا النور هو قوَّة الطرقية المؤسَّسة على الحقِّ والشدة.
(1) ينظر آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 307.
(2) ينظر آثار ممد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273.
(3) الشعر العربي المعاصر … ص: 218.
(4) أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص: 151.