السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦٨

اختار الكاتب هذه اللفظة "الفراشية" فوصف بها أعمال المصلحين. وقد وضعها في سياق حوار، انتزع فيه اعتراف أحد أتباع المصلحين بالإفساد والانهزام؛ إمعانًا في التهكم والسخرية: "المدِّعي … إذا نظرتُ إلى الناس وقارنتُ حالي بحالهم، وجدتُهم في هناء، ووجدتُني في شقاء، دار بي فراشان يلعبان بي لعب الصبيان بالدمى، فجنَّساني بجنسية الفراشية، فها نحن ندور على مصباح العزَّابة والمشايخ، وأنَّه لا محالة في يوم ما نصير من الهالكين. ولئن شكوت إليكم يا إخواني المنافقين حالي، فلكي تعينوني في الرأي، وترفعوا معي هذا الحمل الثقيل" …(1).

ما يؤكِّد قصد الكاتب إلى وصف المصلحين بتلك الأوصاف، التي أشرنا إليها آنفًا، من خلال لفظة "الفراشية" هذه الأعمال التي أومأ إليها، التي سمَّاها "لعب الصبيان" وهي ما يقوم به المصلحون ضدَّ مشايخ الطرقية. وتشبيه الطرقييِّن المصلحين بالفراشية دار كثيرًا في كتاباتهم، مندِّدين بأعمالهم(2).

أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيتلاعب بالألفاظ ليقدّم رمزًا لغويًّا، يصوِّر به مشهدًا، يشهد على ضعة العرب وهوان نفوسهم عليهم. صوَّر ذلك وهو يتحدَّث عن قضية فلسطين. فسجَّل حرص الغرب على اهتبال الفرص لكسب المعركة، وتخاذل العرب، لتسلب منهم حقوقهم، وتضيع منهم العروبة وسط التغافل والتخاذل: "إنَّ الفارق بين لفظي العرب والغرب نقطة … وفيها كلُّ السر وفيها كلُّ الشر"(3).

الرمز كان في (النقطة) التي نكتت في القلب نقطة تلتها نقط، حتى ران على قلوب العرب ما كانوا يكسبون، فعميت بصائرهم، فأخذوا يتصرَّفون تصرُّفات حمقاء سفيهة، من ذلك أنَّهم أصبحوا يرون التفوُّق والتقدُّم في الغرب، وعزَّة النفس فيه … والتخلُّف والضعف والهوان في العرب … وقد وضَّح الكاتب عمل هذه

(1) "هذيان المنافقين" (د. إ)، جريدة الروح، ع: 10 - 11، سنة 1938م.

(2) ينظر مثلا جريدة الروح، ع:6 (15/ 04/1938م).

(3) عيون البصائر، ص: 594. نشر النص تحت إمضاء "كاهن الحي" في جريدة البصائر الثانية، ع:71 (14/ 03/1949م).

٣٦٨ / ٤٩٤