السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧وقد تكون السخرية عونا على الانعتاق من المواقف الحرجة، والانفلات من مواطن الهلاك، فهذا " أبو دلامة الشاعر الفِكه، وقد خرج مرَّة مع أبي مسلم الخراساني في بعض حروبه مع بني أمية، وعلى غرَّة، دعا رجلٌ إلى البراز، فقال له أبو مسلم: أبرِز إليه، فأنشأ أبو دلامة يقول:
ألا لا تلمني إنْ فررْتُ فإنَّني … أخاف على فخَّارتي أن تَحطَّمَا
ولو أنّني في السوق أبتاعُ مثلَها … وجدِّك ما بالَيْتُ أنْ أَتقَدَّمَا
فضحك أبو مسلم وأعفاه"(1).
والسخرية تساعد على قهر الخصم وتذليله لكي ينقاد له. وهي تمنح المستبدَّ فرصة لمزيد التمادي في مجال القهر والإذلال والتسلُّط على الضعفاء، بإبقائهم على ما هم عليه من الحرمان والشقاء والغفلة عن ذلك في لحظات غرقهم في التهكم والتفكُّه والسخرية، والتلذّذ بها. في هذا السياق كتب عبَّاس محمود العقَّاد يوضِّح أثر الفكاهة في انتشار الطغيان واستمرار الظلم، وذلك حين تُوهِم الساخرين والمحكومين والمقهورين أنَّهم ينتقمون لأنفسهم من حالاتهم السيِّئة وأوضاعهم المتردِّية، فينجح المستبدُّ في مخادعتهم، قال: " إن النُّكتة تلطِّف وطأة الظلم، وتوهم المظلوم أنَّه ينتقم لنفسه بعض الانتقام، فتهوِّن عليه الشدائد، وتروِّضُه على الصبر والانتظار، فهي من ثَّم معين للحكَّام على المحكومين"(2). هذه إحدى الوظائف النفسية السلبية التي تقوم بها السخرية والفكاهة. أي إنَّ السخرية ليست دائما إيجابية، تعمل على التغيير نحو الأحسن.
هذه بعض الوظائف التي تقوم بها السخرية، وهي وظائف تعطي لها في – عمومها - هذه القيمة، وهذا الدور في الإسهام في النهضة والتطوير، أو على الأقلِّ
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 51، 52.
(2) عبَّاس محمود العقَّاد، "الفكاهة والطغيان"، مجلة الرسالة، ع: 288، س7 (09/ 01/1939م).