السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧٠والكاتب نفسه يؤرقه تخلُّف العرب ويشجيه ذلُّهم، فيكتب معلِّقًا على "العِقَال" الذي يضعه العربي على رأسه. ويقول ساخرًا رامزًا: "وضع الأجداد العقال للرِّجل فنقلته الأحفاد إلى الرأس، وعدلوا به من الأباعر إلى الناس، وما بين النَّقل والنَّقل ضاع العقل، والتصريف للألفاظ كالتصرُّف في الأموال، فيه القصد والسرف"(1).
لفظة "العقال" رمزت إلى المعاني التي أشرنا إليها سابقًا، وذلك بطريقة مركَّزة ومكثَّفة. وما أعان على إبراز هذه المعاني وإثارتها لجوء الكاتب إلى استعمال أساليب متعدِّدة: المقابلة بين الأباعر والناس، بين الرجل والرأس، بين عمل الأجداد وعمل الأحفاد. ثم الجناس بين الأحفاد والأجداد، وبين الراس والناس، وبين النقل والعقل. بين التصريف والتصرُّف، ثم التوليد: العقال والعقل … كلُّ هذه الأساليب كانت وسائل توضيحية؛ لإبراز ما كان يعتمل في نفس الكاتب(2).
تكثر هذه الرموز اللغوية في الأدب الجزائري الساخر، فلفظة "يوحي" بمشتقَّاتها تتردَّد في أدب الإبراهيمي كثيرا. وهي توحي وترمز إلى الوسوسة والإغواء والإغراء والنزوع إلى الشر …(3) ولفظة " تيوس" ترمز إلى الخبيث والجبن(4).
مما نسجِّله عن الرمز اللغوي الذي استعمله الأدباء أنَّه كان يجمع بين الإيحاء والوضوح، وهو طابع أغلب الرموز التي وقفنا عليها. وهذا ما يؤكِّد أنَّ الأدباء ما كانوا يكتبون بمواصفات الرمزية المذهبية الموغلة في الإبهام والتقنع والخفاء والإيحاء. إنَّما كانوا يحاولون الابتعاد عن التصريح والتناول المباشر؛ بما يوفِّر للنص المتعة الفنية، مع إتاحة الفرصة لأفكارهم ومشاعرهم كي تصل إلى المقصود بالخطاب والحديث، وهو ما ينفِّس عن نفوسهم بعض ما يعانونه من الألم والحسرة.
(1) م. س، ص: 595. نشر النص باسم كاهن الحي في جريدة البصائر الثانية، ع: 71.
(2) ينظر الاستعمال نفسه آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 255.
(3) ينظر مثلاً عيون البصائر، ص:91، 95، 117، 118، 165، 183، 192. وآثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 149، 308، وج4، ص: 333.
(4) ينظر مثلا جريدة الفرقان، ع:1. و البرق، ع:7و10. و الشهاب، ع: 13. و الأمَّة، ع: 165. وكتاب الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 602.