السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧١إلى جانب الرمز اللغوي لجأ الأدباء إلى الرمز الموضوعي، الذي يعني أساسا "إضفاء صفة الرمزية على بعض الشخصيات والأعلام من خلال ما اشتهر عنهم، بحيث تصبح ملهما يلهم الكتَّاب في كتاباتهم"(1). يعرف هذا النوع من الاستعمال في البلاغة بِـ "التلميح، وهو أن يشير الشاعر إلى قصَّة معلومة أو مثل سائر أو بيت شعري مشهور إشارة دالَّة دون أن يلجأ إلى التفصيل في هذا الأثر الأدبي أو الفكري القديم"(2).
هذه الشخصيات هي أعلام حقيقية، إنما اتَّخذت صفة الرمزية من خلال الاستعمال الأدبي الفني. نشير إلى أنَّ هذا النوع كان كثير الاستعمال في الأدب الجزائري الساخر، وهو ما جعل بعض الشخصيات تتَّخذ دلالة رمزية أو نمطية. وقد كانت الإشارة إلى هذا الاستعمال في ثنايا هذا البحث. من هنا نكتفي هنا بذكر نماذج لتسجيل هذا التناول في الأدب الجزائري(3).
كتب محمد السعيد الزاهري يردُّ على من سمَّاه " أحمد مدني" (وكان يخاطبه بابن خالة النديم) الذي دافع عن جريدة "النديم" التونسية، التي تعرَّضت لجريدة "البرق" التي كتبت تندِّد بالعاهرات والراقصات اللآئي نزعن جلباب الحياء(4).
لما كثرت افتراءات أحمد مدني وهجومه على البرق، كتب محمد السعيد الزاهري مقالا عنوانه (الآن) مستوحيًا مشهد غرق فرعون موسى، رامزًا إلى كثرة الظلم والتجبُّر والطغيان؛ لأنَّ ما كتبه ابن الخالة ضدَّ "البرق" فيه –كثير من الظلم- كما يرى
(1) أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 270.
(2) أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص:. نقلاً عن د. حامد حفني داود في كتابه: تاريخ البديع نشأته وتطوُّره ومعالمه الكبرى من القرن الثاني إلى أواخر القرن الرابع عشر، ص: 106 (مخ).
(3) نشير هنا إلى أن هذه الرمزية قد اكتسبتها هذه الشخصيات من خلال الاستعمال الأدبي بعامَّة، وليس من الاستعمال الساخر فحسب.
(4) كتب محمد السعيد الزاهري مقالاً في حلقات تحت عنوان "التفرنج الآثم". ينظر جريدة "البرق" الأعداد: 4، 5، 7. والمقالة الصحفية الجزائرية، مج1، ص: 249 وما بعدها. في هذا المقال ردَّ محمد السعيد الزاهري على تصريحات راقصة تونسية، عدَّت سيرتَها الخليعة تقدُّما، وما تأتيه من سلوك لا يناقض الإسلام، ثم حذَّر من انتقال العدوى إلى النساء الجزائريَّات.