السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٧٢

محمد السعيد الزاهري قال: … "ولا أكتمك أيُّها المدني، إنَّنا لم نعاقب ابن خالتك على اعتدائه علينا في هذين الشهرين فقط، بل عاقبناه حتى على الاعتداءات التي اعتداها علينا منذ ستِّ سنين، ولا شكَّ جاء كيله وافيًا ووافيًا على قدر مظالمه وجرائمه … فإن كانت النار التي أوقدناها على النديم الظالم قد أضرَّ دخانها ببعض جيرانه، والشدَّة التي شددناها عليه قد أعمت بنيرانها بعض قرنائه، فليس علينا من سبيل في ذلك، إنَّما السبيل على النديم، وعلى الذين يظلمون الناس" …(1).

هذا النص، وهذا العنوان " الآن " ينقلنا إلى قوله تعالى: ﴿الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الناس عَن آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾(2). ولفظة "الآن" أحضرت إلى ذهن المتلقِّي معاني الظلم الكبير والطغيان الشديد؛ لأنَّ هذه الكلمة جابه بها الله فرعون حين استسلم واعترف بوحدانية الله بعد أن أدركه الغرق، فقال له الله تعالى: ولات ساعة مندم، لن تنفعك توبتك، لقد عثت في الأرض فساداً وظلمًا كبيرين، فهذا مصيرك.

استلهام هذا المشهد يقرّر في ذهن المتلقي شدَّة ظلم ابن الخالة للبرق وكتَّابها، وهو ما صرّح به الكاتب في النص السابق. ثم إنَّ الله نجَّى فرعون ليكون لمن خلفه آية، تذكِّر الناس بعاقبة الظالم المستبدِّ. كذلك فإنَّ الكاتب أراد أن يترك ابن الخالة عبرة لمن يعتبر: … "ولكنَّنا لا نترك كلمتك التي وجَّهتها إلينا تمرُّ بلا مناقشة ولا جدال، فإلى العدد القادم إن شاء الله"(3). هكذا استغلَّ الكاتب رمزية المشهد إلى الظلم والحيف ليخاطب به ابن الخالة؛ سخرية وتهكما.

المشهد نفسه يستلهمه محمد البشير الإبراهيمي فيتهكم من الجامدين والمتقاعسين الذين يستسلمون للأمر الواقع، ولا يقومون بواجب التطوير والتجديد. وذلك بعد إضراب الطلبة الجزائريِّين الزيتونيين؛ تعبيرًا عن تحدِّيهم لآليَّات الجمود

(1) "الآن" (د. إ)، جريدة البرق، ع:13 (30/ 05/1927م). أرجِّح أن يكون المقال لمحمد السعيد الزاهري.

(2) سورة يونس، الآيتان: 91، 92.

(3) البرق، ع: 13.

٣٧٢ / ٤٩٤