السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧٣والركود والتقوقع: … "ولئن زدتم ليقولنَّ آمنَّا أنََّه لا إله إلاَّ الذي خلق الزيتونة شجرة مباركة والزيتونيِّين رجالاً مباركين"(1). إلاَّ أنَّ الرمز كان ضعيفا هنا، تبدو عليه مسحة التكلُّف والرغبة في استعارة نسيج قرآني للتصوير، دون توفيق الكاتب إلى الإفصاح عن مشاعره ومن ثمَّ عدم تمكين المتلقِّي من استكناه ما يعتمل داخل نفسه.
ولتقديم صورة من مظاهر الذل والهوان والجبن، لجأ محمد البشير الإبراهيمي إلى مشهد قرآني يرمز إلى ذلك، إنَّها صورة اليهود الذين لم يلبُّوا نداء موسى - عليه السلام - لدخول الأرض المقدَّسة جبنا وخوفًا. بل احتاطوا لحياتهم بفرض تقديم ضمانات، منها خلوُّ الأرض المهاجر إليها من الجبَّارين: "ما أشبه الصهيونييِّن بأوَّلهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله فقالوا يا موسى إنََّ فيها قوما جبَّارين، وإنَّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها(2)، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظلِّ حرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها" …(3).
أصبح هذا المشهد القرآني رمزًا للهوان والذلة والصغار والتقاعس عن أداء الواجب. وقد لجأ الكاتب إليه، ووصف به الصهيونية ليسخر منها، وينفِّس عن نفسه المكلومة وقلبه المجروح(4).
أمَّا مفدي زكريَّاء، فيعبِّر عن خيانة بعض رجال الدين الذين احتموا بمظاهر، كإطالة اللحى واتخاذ السبح ولبس العمائم … ليخدعوا الناس(5). فكتب يسخر من هؤلاء الدجالين، واصفًا الأبَّهة التي يظهرون بها بأنَّها مزيَّفة. وقد استلهم في هذا الوصف صورة "ارم ذات العماد ":
(1) عيون البصائر، ص: 452. المقال تحت عنوان "إضراب التلاميذ الزيتونيِّين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 118 (01/ 05/1950م).
(2) ينظر سورة المائدة، الآيتان: 21، 22.
(3) عيون البصائر، ص: 485. عنوان المقال: "فلسطين 1، تصوير الفاجعة"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:5 (05/ 09/1947م).
(4) ينظر الاستعمال نفسه المصدر السابق، ص: 495.
(5) ولهذا اتخذت هذه المظاهر عنده وعند بعض الأدباء رموز الخيانة والنفاق والدجل … ينظر مبحث الطرقية في هذه الدراسة.