السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧٥فبالرغم من ضعف توظيف هذا الرمز، إلاَّ أنَّ الشاعر قصده، والتجأ إليه؛ ليسخر من التهديدات المتكرِّرة التي تسعى إلى النَّيل من عزيمة الجزائريِّين في الجهاد والنضال، وفي الوقت نفسه يزرع الثقة في النفوس لتواصل مسيرتها الكفاحية(1).
هكذا نلحظ أنَّ الرمز الموضوعي لم يوظَّف توظيفًا كبيرًا، حتى النماذج القليلة التي وقفنا عليها، كانت في – عمومها - متوسِّطة أو ضعيفة أحيانًا. ربَّما يرجع هذا إلى قصور التعامل مع هذا النوع من الكتابة، الذي يعتمد على الاستلهام، ويعمد إلى الإيحاء والخفاء والإبهام، بما يبعث جمالاً متعة في العمل الأدبي.
ومن أسباب ضعف هذا التوظيف الرمزي حِرصُ الأدباء على الوضوح، ورغبتهم في إيصال الأفكار إلى المتلقِّي - متوسط الثقافة الأدبية والفنية- و مساعدته على معرفة حقيقة المعاني والمشاعر بسرعة. وهو ما تستلزمه طبيعة المرحلة التي يمرُّ بها الشعب الجزائري، التي تتطلَّب وعي الواقع بسرعة والنهوض لمعالجته بأكثرسرعة، بدل الضرب في أودية الحدس والتأمل رويدًا رويدًا، ممَّا يتيح الفرصة للوضع كي يتأزَّم، ويفوِّتها على الشعب، الذي يفرض عليه الإسراع لإصلاح أمره، لأنَّ رسالة الأديب كما فهمها هؤلاء الأدباء هي النهوض للإصلاح والتوجيه والتربية …
من ألوان الرمز الذي استخدمه الأدباء في السخرية لون اتَّخذ عالم الحيوان وسيلة التعبير عن الأفكار والمشاعر، والتنفيس عن القلوب، مراعاة للجانب الفني للأدب؛ بالابتعاد عن التقريرية في التعبير، أو "لبيان تميُّز الحيوان عنه (أي الإنسان) في بعض الصفات في فترة زمنية معيَّنة، أو للتَّركيز على وجه من وجوه الشبه بينهما، وقد يكون المقصود ليس الإنسان بصفة عامة، وإنَّما إنسان معيَّن، تمنع مكانته أو سلطته المساس به، حتى بالكناية أو التورية أو التعريض أو غيرها. فتنجح أساليب الرمز في الوصول إلى الغرض، وفي تقوية الضوء أمام العيون والبصائر، بما لا يحتاج إلى عناء بعد ذلك، وقد تكون الحملة موجَّهة إلى أخلاقيَّات سادت في المجتمع
(1) ينظر هذا التوظيف الشاعر صالح خبَّاشة، الروابي الحمر، ص: 156.