السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٧٦

لظروف طارئة، وأصبحت من التفشي إلى الدرجة التي ينبغي أن تتوجَّه إليها الأقلام بأكثر من أسلوب، وعلى أكثر من درب … "(1) ولا يخلو هذا الاستعمال من التعريض بالإنسان والتهكم به ببيان تميُّز الحيوان عنه وتفوُّقه عليه في بعض الصفات.

هكذا نلحظ أنَّ في اللجوء إلى عالم الحيوان في السخرية تحقيقًا للغاية من الرمز، وهي حماية صاحبه من التناول الصريح المكشوف للأفكار، والإفصاح المفضوح عن المشاعر، وفي الوقت نفسه مساعدته على تقريب المعنى البعيد، وصون نفسه ممَّا لا تحمد عقباه ولو نظريًّا.

هذا الأسلوب ليس بدعاً في الأدب، فقد عرفه الأدب العربي، كما أُثِر عن ابن المقفع من خلال كتاب " كليلة ودمنة "، ومن خلال الأعمال التي تتابعت على هذا الكتاب، أو التي استلهمته عبر العصور التي مرَّ بها الأدب العربي، ومن خلال ما استفاده الأدباء من الآداب الغربية. كما كتب "إخوان الصفا" رسالة عنوانها "قصَّة الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن"، وهي قصَّة طريفة تعكس الخصومة الأبدية بين الإنسان والحيوان، طرافتها تتمثَّل في جعل الحيوانات عقلاء فصحاء مجادلين(2). وعرفه في الأدب الحديث أدب أحمد شوقي، والصحافة المصرية والتونسية وغيرهما، وممَّن ألَّف بهذا الأسلوب طاهر الطناحي. وعرفته الآداب العالمية القديمة والحديثة: المصرية القديمة واليونانية والفارسية والهندية والرومانية وعرفه "لافونتين LA FONTAINE" (1621 - 1695 م) في الأدب الفرنسي … "(3).

الأدب الجزائري كغيره من الآداب استعمل هذا اللون من ألوان الرمز، ولجأ إلى عالم الحيوان، وألّف قصصًا قد تبدو خرافية، إلاَّ أنَّها كانت هادفة وموجَّهة إلى غايات معيَّنة، كما عقد مقارنات بين عالمي الإنسان والحيوان. كلُّ

(1) السخرية في أدب المازني، ص: 45، 46.

(2) لمزيد من التفاصيل عنها، ينظر د. زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع، ج1، ص: 333 وما بعدها. ود. مصطفى الشكعة، الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم النثر، ص: 682 وما بعدها.

(3) ينظر الدكتور محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، دار العودة، بيروت سنة 1983م، ص: 179 - 195.

٣٧٦ / ٤٩٤