السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٧٧

ذلك بطريقة رامزة، تستجيب لآمال الشعب والأدباء، وما يجيش في صدورهم من رجاء في تغيير الأوضاع المتردية، وتحقيق ما يطمحون إليه. كتب "الرشيد" (عبد الحفيظ الهاشمي)(1) مقالة تهكم فيها وسخر من المتجنِّسين، وصوَّرهم كالنَّعامة، لا هي جمل ولا هي طير؛ وذلك بسبب تذبذبهم بين جنس العرب وجنس العجم، قال مستهزئاً معرِّضًا: … "وهناك قسم من المخلوقات تجمَّع فيه من الأوصاف ما أكثر العلاقات، فإذا عقدت الخنصر والبنصر على أن تضمَّه إلى عنصر منعك باب التنازع في الأوصاف عن الحكم بالنسبة والمضاف، فيبقى بين بين، ليس في نسبته يقين، وكذلك مثل النَّعامة التي أشبهت البعير في الهامة، وحاكت الطيور في الأجنحة وفي المخالب التي هي لها أسلحة. هكذا شأن المارقين الذين ابتعدوا عن أوصاف المسلمين، وهم الذين تزيَّنوا بوشاح التجنيس، وباعوا دينهم عملاً بوسوسة إبليس، فصاروا مذبذبين، حين قطعت منهم الأوداج، وندموا ولات حين مندم، فما لبضاعتهم رواج"(2).

لا يخفى قصد الكاتب إلى الرمز تعريضًا وسخرية، حتى ولو لم يكن هذا الرمز عميق الإيحاء، وممتدَّ الظلال الشعورية؛ للجوء الكاتب إلى التوضيح والتفسير. إلاَّ أنَّ كلَّ جملة من جمل النص تعبِّر عن "طاقة من الحديث تعتمل في قلب صاحبها، ولكنَّ الظروف السياسية تضيِّق الخناق، فلا تخرج إلاَّ تلويحًا وتعريضًا" …(3). التشبيه بالنَّعامة يرمز إلى الجبن والخوف والذلة، والإشارة إليها يرمز إلى عدم وضوح شخصية هذا الصنف من الناس؛ إذ ليست لهم خصوصيَّات تميِّزهم عن غيرهم، شأن المذبذبين. فالنَّعامة جمعت بين هيكل الجمل الضخم وهيئة الطائر الضعيف. المقابلة بين الضخامة من جهة والهيئة الضعيفة تذكِّرنا بقول حسَّان

(1) عبد الحفيظ الهاشمي، ولد سنة 1895م، مؤسّس جريدة النجاح سنة 1919م، كاتب وشاعر، تقلَّد عدَّة مناصب قضائية وتعليمية.

(2) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 205. المقال تحت عنوان "النعامة لا طير ولا جمل"، نشر في جريدة النجاح، ع: 256 (18/ 02/1925م).

(3) م. ن.

٣٧٧ / ٤٩٤