السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٧٩

من هذه المقلقات والمنغِّصات نقف على الإشارات النفسية والومضات الشعورية التي كشفت عنها هذه الرموز المنتقاة من عالم الجراد، التي هي لذعات وانتقادات، ودعوات ونداءات إلى الإفاقة والنهوض والعمل على التغيير … وقد ابتعد فيها الكاتب عن التصريح والكشف الفاضح. هذا الأسلوب هو الذي فضَّلته جريدته "البستان" الفكاهية الرمزية.

لكي ينتقد الكاتب نفسه مواقف الانهزام ومواقف الخيانة للوطن، الصادرة من بعض من كان يسخِّرهم الاستعمار لخدمة أغراضه، وفي الوقت نفسه يعرِّض بسياسة العدوِّ العاملة على خنق حرية المواطنين، في سبيل ذلك يلجأ إلى حوار يجريه مع عصفور: "سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري، وكان العصفور ذكيًّا شيطانا، فأجابني عنه بما أقنعني، وتركني باهتا لإصابة نظريَّته، وهو: لماذا تكره النياشين إذا رأيتها معلَّقة على صدور ذوي اللحاء والبرانيس بأنواعها … ؟

- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصياد وعلى كتفه بندقية يقنصني!

- ولماذا؟

- عصفوري: لأنَّ هذه النياشين الحمر تذكِّرني بلونها الأحمر بجريان الدم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصياد، ولهذا أتشاءم منها كلَّما رأيتها أوسمعت عنها.

- فقلت: صدقت والله أيُّها العصفور الحرُّ، فلتعش حرًّا طليقًا رغم عن الإنسانية المعذبة … ! "(1).

النص مُلئ رموزًا؛ العصفور غالبا ما يكون مقفوصًا، أو تكون حريته منغَّصة بالمطاردات، وعلى هذه الحال كان الشعب الجزائري تحت الحكم

(1) "فلاَّح البستان"، " صدقت والله "، جريدة البستان، ع:8 (20/ 06/1933م). النص لأبي اليقظان.

٣٧٩ / ٤٩٤