السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٨٠

الفرنسي؛ ولهذا كان دائم التطلع إلى الحرية، التي لا تشتري بالذهب مثلما يردِّد الطائر في الأناشيد المتواترة المؤلَّفة على لسانه. وفي الرمز إلى العصفور وإجراء الحديث على لسانه أكثر من دلالة معنوية. وفي استصدار هذه النظرية من عصفور: المخلوق الحيوان الضعيف تعريض بالإنسان صاحب العقل والإدراك، الذي تغيب عنه هذه الحقائق. والمقارنة بين النياشين الحمراء المعلَّقة على صدور ذوي اللحاء والبرانيس، والصيَّاد الذي يحمل بندقيَّته ليصطاد العصفور مقارنة بين عدوٍّ معروف مكشوف، وعدوٍّ متستِّر بمظهر القريب والصديق، الذي يُطمأَنُّ إليه ويُركَن … ثم يخون ويغدر في الخفاء، ولهذا كان العصفور يكره أصحاب النياشين أكثر من الصيَّاد.

وفي هذا تعريض بالسائرين في ركاب الاستعمار المنفِّذين خطَطَه. وغيرها من الرموز التي أوجدها الكاتب من هذه القصَّة الموضوعة على لسان عصفور؛ التي هدف من خلالها الكشف عن مشاعره الحزينة وحسرته المريرة. وهنا تتحقَّقُ وظيفة الرمز الذي يومىء ويوحي؛ بوصفه تعبيرا غير مباشر عن النواحي النفسية، ويكشف عن الصلة بين الذات والأشياء، ويفرز مشاعر معيَّنة عن طريق الإثارة النفسية، لا عن طريق التسمية والتصريح(1).

هكذا نلحظ أنَّ الأدباء حرصوا على الاستفادة من الأسلوب الرمزي في التعبير عن مشاعرهم، وحاولوا الجمع بين استغلال طبيعة الرمز وطاقته في الإيحاء والإثارة النفسية والابتعاد عن التعبير المباشر، لإضفاء الجمالية على كتاباتهم، وبين تحقيق الأهداف المعنوية، وهي تبليغ المشاعر والأفكار إلى من يقصدونهم بالخطاب، وإخفائها عمَّن لا يرغبون في الاطِّلاع عليها. محاولة التوفيق بين هذين الهدفين، مع مراعاة مستوى الثقافة الأدبية للمعنيِّ بهذه الإشارات (وهو مستوى متوسِّط أو دونه) جعلت الكتابة بأسلوب الرمز كتابة فقيرة إلى الرمزية

(1) ينظر كتاب الأدب المقارن، ص: 398.

٣٨٠ / ٤٩٤