السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٨٦

ما يؤيِّد هذا الالتزام بالواقع والارتباط به أنَّ الواقعيِّين ما تعرَّضوا إلى موضوعات تاريخية في قصصهم ومسرحيَّاتهم إلاَّ وحاولوا أن يربطوا بين هذه الموضوعات والقضايا التي تتَّصل بالواقع المعيش(1).

هذه السمات التي تميِّز الواقعية الفَنية، نجد لها بعض المظاهر في الأدب الجزائري الساخر، وإن لم تكن بالمفهوم الفني الدقيق للواقعية. إلاَّ أنَّ بعض ملامحها قد توفَّرت فيه، للأسباب التي ذكرناها آنفًا، تتعلَّق بالمأساة التي عاشها الشعب الجزائري؛ لأنَّ الواقعية بمفهومها الواسع ليست وليدة القرن التاسع عشر بل هي كانت موجودة منذ القديم، كالفلسفة الواقعية المقابلة للفلسفة الاسمية في المفهوم الأفلاطوني، والواقعية المقابلة للمثالية، كما أنَّ هناك واقعية تقليدية ونقدية واشتراكية …

وهناك من يرى أنَّ الواقعية ليست اتِّجاهًا فنّيًّا جماليًّا، يتميَّز بتقنية خاصة في التعبير، إنَّما هي اتِّجاه فكري رؤيوي خاصٌّ، يستند إلى معطيات الواقع الموضوعي في التفكير، ويبتعد عن الغيبية الميتافيزيقية في التفسير والتحليل والاستنتاج(2). والفنَّان في هذا الاتِّجاه يختار إحدى المدارس الفنية المعروفة للتعبير. من هذا المنطق أبحنا لأنفسنا نسبة بعض الآثار الأدبية في الأدب الجزائري الساخر إلى الواقعية أو وسمها بها؛ رغم أنَّ الاتِّجاه الواقعي الفنِّي –كما هو متعارف عليه –لم يظهر في الأدب العربي بعامة والشعر منه بخاصة إلاَّ في منتصف القرن العشرين(3).

بناءً على رأي الدكتور ميشال عاصي السابق، فقد لحظت أنَّ الأدباء الجزائريِّين مزجوا في كتاباتهم - في كثير من الأحيان- بين الواقعية والرومانسية لأنَّهم كانوا يهدفون من خلال رسم الواقع وعرض الحقائق إثارةَ مشاعر المتلقِّين، ودغدغة عواطفهم؛ لإيقافهم على حقيقة ما يعيشونه، وإبراز الواقع كما هو، فنهضوا للعمل

(1) م. س، ص: 396.

(2) ينظر الدكتور ميشال عاصي، الفن والأدب، ط2، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، سنة 1970م، ص: 201، 202.

(3) ينظر مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، ص: 331.

٣٨٦ / ٤٩٤