السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

أو الإسهام في التغيير؛ لأنَّ الوصف الواقعي الخالص "يقعد عن الخلوص إلى ما وراء المنظورات من خواطر وواردات تدغدغ الجفون الرهائف" …(1).

إذن فالرؤية الفكرية الواقعية تحتاج إلى ما يجمِّلها ويصبغها بالصبغة الفنية. والرومانسية قادرة على الإسهام بذلك في هذا المجال. إلى جانب كوناها تعبِّر عن عاطفة الإنسان قبل كلِّ شيء، وهي أصلا تدعو إلى التحرُّر المطلق. ثّم إنَّ السخرية حتى ولو كانت تأخذ مادتها من الواقع، فإنَّها تعمد إلى الخيال، وتختار الصور اللاَّذعة، التي تؤذي الخصم، وهذا يتطلَّب توفير عنصر آخر، يعين الواقعية على بلوغ هدفها بواسطة الفن، وهو ما يمكن أن توفِّره الرومانسية. وقد لوحظ هذا الأسلوب عند عبد القادر المازني، الذي تميَّزت كتاباته بالواقعية الممزوجة بالرومانسية(2) كما عرف أدب محمود تيمور هذه الخاصية(3). وقد تأثَّر بدوره في هذا المنحنى بالكاتب الواقعي "بلزاك"(4).

نحاول فيما يأتي التمثيل لهذه الخاصيَّة في الأدب الجزائري الساخر.

أدب أحمد رضا حوحو الساخر اتَّسم بهذه السمة في الكثير منه. فنماذجه البشرية(5) التي اختارها لكي يعرض ويصوِّر مجموعة من الطباع البشرية في عدد من البشر، والمنتقاة من صميم المجتمع(6) لم تخلُ من هذه السمة (الواقعية المصبوغة بالرومانسية)، رغم تصريحه أنَّه لم يعمد إلى الخيال لتنميق ما كتبه عنها وتزويقه وتوليد صور، ولم يلجأ إلى التحليل النفساني للاستعانة به في إثبات فكرة أو ردِّ أخرى، ممَّا يستعمله الرومانسيُّون عادة. يقول: … "وإنَّما التجأت إلى المجتمع

(1) الصورة الأدبية، ص: 269.

(2) ينظر السخرية في أدب المازني، ص: 333.

(3) ينظر محمود تيمور، أدب وأدباء، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، سنة 1968م، ص:138.

(4) هونوريه دي بلزاك ( Honore de Balzak) (1799 - 1850 م)، كاتب وقصصي فرنسي له "الكوميديا البشرية " و" أوجيني غراندِه" …

(5) ينظر كتابه غادة أم القرى … ص: 179 وما بعدها.

(6) م. س، ص: 179.

٣٨٧ / ٤٩٤