السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨وانتزعت من مختلف طبقاته نماذج عشت مع بعضها، وسمعت عن بعضها، نماذج حية أقدِّمها للقارئ لعلَّه يتوصَّل إلى تفهُّم بعض طباع مجتمعه" …(1) كما نلمس ذلك في شخصيَّاته التي كان يعرضها في ركن " في الميزان" في جريدة البصائر الثانية، وفي مقالاته التي كتبها على لسان حمار الحكيم، التي جمعها في كتابه "مع حمار الحكيم".
وقد عرفت بهذه الخاصية بعض كتابات الشيخ محمد البشير الإبراهيمي خاصة شخصيَّاته التي عرض سيرها بواقعية، غير أنَّها كانت منقولة عبر نفسه ووجدانه(2). نلحظ هذه الخاصية مثلاً في مقاليه: "إبليس ينهي عن المنكر"(3) و"إبليس يأمر بالمعروف"(4) اللذين حاول فيهما رصد سيرة شخصيَّتين أضرَّتا كثيرًا بالإسلام. فنجد إلى جانب الواقعية التي حاول من خلالها الكشف عن بعض الحقائق ملامح رومانسية، كجموح العاطفة، والجنوح إلى الخيال لتوليد صور فنية، والتحليل النفسي للتعبير عن الأحاسيس وإظهار الشكوى والحسرة … وحشد النعوت والإكثار من الترادف، واستعمال أساليب بيانية، وغير ذلك من التعبيرات التي تكسر جمود الوصف الواقعي، وتوفِّر له الحيوية والحركية، بل إنَّ عنوانَي المقالين أنفسهما رومانسيَّان.
كتب الكاتب نفسه معلِّقا على تقرير "محمد العاصمي" (المفتي الحنفي في الجزائر) حول قضية "فصل الدين عن الحكومة" بواقعية تكشف الحقائق، مع مسحة رومانسية تفصح عن المشاعر: "إنَّ الإدارة الجزائرية العليا مطبخة - ليست كالمطابخ - تطبخ فيها الآراء والأفكار في كلِّ ما دقَّ وجلَّ من شؤون المسلمين. والقائمون على هذا المطبخ طهاة يحسنون الفن، ودهاة يحكمون بأوَّل الظن، وهم منتخبون من طراز خاصٍّ، أوَّل الشروط فيهم أن يكونوا قد أفنوا أعمارهم في حكم المسلمين، واجتازوا المراتب الإدارية من أدناها إلى أعلاها، وتمرَّسوا