السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩بمحكوميهم، وفهموا ميولهم واتِّجاهاتهم، ودرسوا مواطن الضعف والقوَّة فيهم، وآخر الشروط فيهم أن يكونوا استعماريِّين قبل كلِّ شيء. والسيِّد السند من هؤلاء، هو الذي يثبت أنَّه حكم المسلمين حكمًا استبداديًّا، وعرف كيف يرهقهم، وكيف يذلُّهم، وكيف يضرب بعضهم ببعض، ويمزِّق شملهم، وكيف يدرِّبهم على أن يكونوا آلات صمَّاء لا أناسي، وكيف يستلب منهم العقل والإدراك، وكيف يروِّضهم على يقابلوا اللكم بالبكم، والصفع بالشكر، حتى يكتسب من كلِّ ذلك ملكة فيما يسمُّونه " السياسة الأهلية " بحيث لو كانت لها درجات كالدرجات العلمية، لمنحوا صاحبها لقب أستاذ في الشيطنة، كما يقال أستاذ في الفلسفة" …(1).
المقال طويل كلُّه على هذا النمط. وقد تعمَّدنا سرد فقرة طويلة منه؛ لنكشف للقارئ عن هذه الخاصية (الواقعية المصبوغة بالرومانسية) في أدب الإبراهيمي.
الواقعية تبدو في سرد الكاتب وعرضه الواقع الذي كانت تعيشه القضية الدينية في الجزائر، وما جرَّه استمساك الأهالي بدينهم والمطالبة بعدم تدخُّل الحكومة في شؤون الدين، ما جرَّه ذلك من تنكيل وتضييق وتعذيب … وقد تجرَّع الكاتب نفسه غصصًا في هذه المعارك مع المستعمر. وقد كتب عدَّة مقالات في الموضوع.
في النص تجسيد للواقع المعيش بتفاعلاته وتناقضاته ومفارقاته، وعرض لحالة صنف من الناس، باعوا ضمائرهم وذمَّتهم ليخدموا الاستعمار ومخطَّطاته عن وعي أو غير وعي، بإرادتهم وغير إرادتهم، وفيه إبراز لمنهجية المستعمر في اختيار هؤلاء الناس الذين يسخِّرهم لخدمة أغراضه وأهدافه، وفيه تتبُّع لتفصيلات وسرد لجزئيَّات. هنا تكمن الواقعية؛ إلاَّ أنَّ الكاتب لم يكتف بالسرد الموضوعي، بل أقحم ذاته، وحكَّم عاطفته ووجدانة لتوجيه الموضوع أو الأفكار كما يريد، وحيث
(1) عيون البصائر، ص: 64. المقال بعنوان "التقرير الحكومي العاصمي". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:58 (29/ 11/1948م).