السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩٠

يرضى، كما أشرك خياله في التصوير للإفصاح عن مشاعره وعواطفه، وسبر أغوار نفسه؛ بالتحليل والتعمُّق في التناول للكشف عن القلق والتوتر في مشاعره.

وهكذا وجدنا أنفسنا مع صورة واقعية مضمَّخة أو مصبوغة بروح رومانسية وجدانية، فيها الخيال والعاطفة الجيَّاشة، فيها من التعبيرات والتراكيب: المجاز والكناية والتعريض والترادف: ترادف الألفاظ والمعاني، والتأكيد والإطناب والتبسيط والتفريع، وفيها أساليب بلاغية كثيرة أخرى، ممَّا يدرجها ضمن الكتابة الشعرية بمفهومها الفني، لا بمدلولها الإيقاعي من الوزن. وفيها من سمات الرومانسية: حشد الصفات وكثرة الإرداف، ما يستجيب لاحتداد المشاعر، والحماسة المفرطة لتداعي المعاني. والرومانسي لا يشفى غليله مرادف واحد، ولا صفة واحدة ولهذا يكثر منهما في كتاباته(1). هذه الظاهرة تجسَّدت في هذا النص، وهي سمة عرف بها الإبراهيمي في كتاباته بعامة(2).

وفي نصٍّ آخر للكاتب نفسه يقول: … "ولو أنَّ أفراد هذه الطائفة رزقوا بصائر ينظرون بها الأشياء على حقيقتها، وعقولا يدركون بها الأمور باعتبار غاياتها وعواقبها، لعلموا كما علمنا أنَّ هذه الحكومة سائرة على مذهب استعماريٌّ دوَّنَه (أئمَّتها) الأوَّلون، وهذَّبه (شُرَّاحها) المتأخِّرون، وأنَّها بالغة من ذلك المذهب إلى غايته أو ملاقية حتفها دونها كما يقول العرب، وأنَّها من قساوة القلب وجمود العاطفة بالدرجة التي لا تؤثِّر فيها الأحاديث البليغة، ولا الأحداث البالغة. ذلك المذهب هو ترحيل الإسلام من المحراب ليتسنَّى لها ترحيله من الجامع ثمَّ الوطن.

هذا نصُّ المتن، وجاء (شرَّاح هذا المتن المحقِّقون) فأرشدوا إلى وسائل تلك الغاية، وبيَّنوا السبل المؤدية إليها، فأفاضوا وأطنبوا، إلى أن جاء بعض حذَّاقهم البارعين في بناء فقه السياسة على علم النفس - على غير طريقة فقهائنا الجامدين-

(1) ينظر محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث … ص: 346.

(2) ينظر للكاتب نفسه، عيون البصائر، ص: 227، 228، ومقاله: "التعليم العربي والحكومة "، فقد كتبه بالمواصفات التي كتب بها النص السابق.

٣٩٠ / ٤٩٤