السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الأدب العربي عُرِفوا منذ القديم بحبِّ الفكاهة والميل إلى السخرية، والرغبة في الدعابة، والتلذُّذ بالتنكيت والتندُّر … وقد أحصى الأستاذ صادق الملائكة أربعة وستين منكِّتا مشهورًا في الأدب العربي في كتابه " ذوو الفكاهة في الأدب"(1).

فالسخرية كانت ضاربة في القدم، ومتجذِّرة في الأدب العربي، بدأت ساذَجة بسيطة، ثمَّ تطوَّرت عبر الأيَّام والعصور، حسب العوامل والظروف. فكيف كانت في مختلف العصور الأدبية؟

1 - في العصر الجاهلي:

عرف العصر الجاهلي -كغيره من العصور الأدبية - أدبا ساخرا إلاَّ أنَّ هذا الأدب لم يكن رفيع المستوى، بسبب عوائق منعت من ظهوره بمظهر قويٍّ، كانتشار الأمية، وغلبة الطَّابع البدوي على الحياة العامَّة، وبسبب شظف العيش الذي كان يعاني منه العربي، الذي الناس ينشغلون بالبحث عن القوت، وينصرفون إلى تأمين حياتهم من الإغارات المتكرِّرة عليهم …(2) وقد يرجع ذلك إلى الصفات التي يتميَّز بها العربي، كالتزامه بالصراحة في التعبير، التي تتنافى مع طبيعة الساخر المبدع. وكتأثره السريع وانفعاله، بينما يبدع الساخر حين يتحكَّم في انفعالاته وعواطفه، ليتيح لنفسه فرصا للتفنُّن والتصرف في ألفاظه وعباراته، بما يضفيه عليها من جمالية، مبعثها التهكم والتفكُّه والسخرية. ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن عوامل ظهور السخرية والفكاهة في الأدب الجاهلي؟

ما يلحظه الدارس هو أنَّ معظم الأدباء الجاهليِّين نشؤوا في بيئة، أغلب ما فيها لهو وترف وإسراف في الملذَّات، إلى جانب طابع الصراع والإغارة الذي وسم حياتهم، وكانت أشعارهم –بخاصَّة- تبعا لذلك تكاد تقتصر أو تنحصر في الحرب والإغارة واللَّهو والغزل والغناء … هذه الوضعية تلجئ الشعراء والأدباء إلى الدخول في منافرات شعرية ومساجلات أدبية، في كثير من الأحيان.

(1) ينظر مجلة العربي، ع: 34، ص: 102.

(2) ينظر الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 116 ـ 119. والفكاهة في الأدب العربي، ص: 311.

٣٩ / ٤٩٤