السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٠

أوَّل ما يفترضه أو يتوقَّعه المرء أن يلجأ الشاعر أو الأديب إلى الهجاء، وهو يبغي الانتصار على خصمه، وتحقيق مطامحه ومصالحه، ويعمل على توخِّي أية وسيلة تنال من سمعة خصمه وتخدش إباءه، كالتهكم به والسخرية منه، ومن أخلاقه ومواقفه. لماذا لا يعدُّ هذا الهجاء نواة الفكاهة والسخرية في الأدب الجاهلي بخاصَّة والأدب العربي بعامَّة؟ خاصّة وأنَّ الشعر العربي الباكر لم يعرف الفكاهة بمعناها الصريح، وإنَّما كانت ترد أحيانا في سياق الهجاء(1) أمَّا فتحي محمَّد معوَّض أبو عيسى فيقول: إنَّ الهجاء " ربَّما كان بمثابة النافذة التي أطلَّ ضياؤها على الفكاهة"(2). ونحن نميل إلى عدِّ الهجاء أحد المجالات الذي أنتج الفكاهة والسخرية؛ لكون العربيِّ حين يهجو، كان يختار كلَّ وسيلة تُعينه على النيل من خصمه، خاصَّة وأنَّ شِعار الانتصار والغلبة هو السائد في المجتمع الجاهلي. وممَّا يحقِّق للأديب هذا الانتصارَ التندُّرُ بمثالب خصمه، والتفكُّهُ بمعايبه والتهكم بمواقفه. كلُّ ذلك يولِّد سخرية أدبية. إذن إنَّ الهجاء يمكن عدُّه نواة السخرية. أو من العوامل المساعدة على نشوئها.

كما أن التغزُّل بالمرأة ومعاقرة الخمرة، وإزجاء وقت الفراغ في النوادي، وتوفُّر الحرية المطلقة، وانتشار الغناء وكثرة المغنِّيات … يستدعي عقد مجالس للسمر واللهو والتفكُّه والضحك. وهو ما يدفع الأدباء والشعراء إلى القول والتندُّر بهذه الأحوال، وإثارة جوِّ المرح والفكاهة والظرف في تلك المجالس، لذلك " نستطيع أن نعتبر تلك الحياة الطليقة التي لا تعرف القيود والحدود، وما يكتنفها من لهو ومجانة وعبث وفوضى مدعاةً إلى ظهور الفكاهة الساذَجة"(3).

وممَّا يمكن الاستدلال به على وجود الفكاهة والسخرية في الأدب الجاهلي ورودُ كلمات: الضحك، الفكاهة، السخرية، الدعابة، الهزء، التهكم … في أشعار

(1) ينظر الدكتور مصطفى الشكعة، الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، كتاب الشعر، ط2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة 1974م، ص: 216.

(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص:61. ينظر رأي قريب من هذا، الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 120.

(3) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 62، 63.

٤٠ / ٤٩٤