السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩١

فأرجع الوسائل الكثيرة المتشعِّبة إلى وسيلة واحدة، وهي ترحيله - أوَّلاً وقبل كلِّ شيء - من نفوس هذه الطائفة القائمة بالدين في نظر الناس" …(1).

يستطيع المطَّلع على هذه الفقرات وبقية المقال أن يقف على الواقع الذي كان يعيشه الشعب الجزائري مع الدين تحت نير الحكومة الفرنسية، بفضل العرض التفصيلي الذي قدَّمه الكاتب عن الموضوع، ويلحظ فيه أنَّ الكاتب رتَّب الأحداث ترتيبًا منطقيًّا ليصل إلى الهدف من كتابته هذا النص. وهذه السمة من سمات الكتابة الواقعية. إذ الكاتب الواقعي يلحظ "الأحداث في الطبيعة ويرتِّبها ترتيبًا، يوجِّه بها الظاهرة التي يلحظها لتنتهي إلى النتيجة التي يريدها"(2).

والكاتب لم يكن قصده -هنا- سرد الحقائق مجرَّدة، وعرض الواقع كما هو، إنَّما كان هدفه توجيه هذا العرض وجهة معيَّنة، يكون فيه تحسيس الشعب بخطورة الوضع، وإظهار الحسرة والألم والقلق من الحالة المتردِّية، ولذا طغت على النص ظاهرة الشكوى، ثم التنكيت والتندر بسياسة المستعمر؛ لينفِّس عن نفسه المأزومة، ويخفِّف عن قلبه المصدور. جماع كلّ ذلك أو رباطه أسلوب التهكم الذي اختاره الكاتب لهذا العرضِ، الذي كشف فيه عن الواقع بعد أن مرَّره بوجدانه، وشكَّله طبقًا لروحه، وهو ما صبغه ببعض أصباغ الرومانسية التي تتحكَّم في كتَّابها العاطفةُ، ويستبدُّ بهم الخيال، ويسيطر عليهم الألم والشكوى.

فمن سمات الأسلوب الرومانسي التي نجدها في النص:

1) الولوع بحشد الصفات المتتالية المتساوقة (الأحداث البليغة والأحداث البالغة، الشرَّاح المحقِّقون، الحذَّاق البارعون، الفقهاء الجامدون … ).

2) تكرار المعاني للتأكيد (فأرشدوا إلى وسائل تلك الغاية، وبيَّنوا السبل المؤدِّية

(1) عيون البصائر، ص: 151. المقال بعنوان "فصل الحكومة عن الدين"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:142 (12/ 02/1951م).

(2) مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، ص: 323، 324.

٣٩١ / ٤٩٤