السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩٢

إليها، فأفاضوا وأطنبوا … ) هذا الإطناب سببه نفسي، وهو محاولة الإقناع والتنفيس عن النفس؛ لأنَّ الجملة أو اللفظة الواحدة لا تطفيء غليان النفس، ولا تشفي الغليل، ولا تخمد اللوعة، ولا تسكِّن الزفرة.

3) المبالغة في وصف الأشياء وتقديرها؛ سخرية وتهكما: سادة الاستعمار الأوائل أئمَّة في سياسة الظلم والحيف، هم واضعو متن هذه السياسة، والمتأخِّرون شرَّاح هذا المتن محقِّقون بارعون في تأصيل فقه سياسة الاستبداد، وبنائه على قاعدة علمية من علم النفس، على عكس فقهاء المسلمين الجامدين، الذين لا يفقهون في دينهم شيئا … في هذه المبالغات يكون التعبير النفسي عن التذمر والقلق من الوضع.

4) طغيان العاطفة وشدَّة الانفعال اللذين ساقا الكاتب إلى ركوب متن الخيال لتصوير مشاعره وتجسيد أفكاره. فكانت لنا منه هذه اللغة الإيحائية غير المباشرة.

إلى غير ذلك من بعض الأصباغ الرومانسية التي حاولت استكناه نفسية الكاتب عن طريق السخرية؛ ولهذا ارتأينا وسم أسلوب هذا النص وما سبقه من النصوص بسمة الواقعية المصبوغة بالرومانسية. أشير في النهاية إلى أنَّني تعمَّدت سرت نصوص طويلة لتمكين القارئ من الوقوف على هذه الخاصية في أدب محمد البشير الإبراهيمي.

الكاتب الثاني الذي نستشهد به في هذه الخاصية هو أحمد رضا حوحو. ومن حواره الذي أجراه مع حماره وهو تحت عنوان " المجنون "(1) نسرد هذه الفقرة.

دخل حمار الحكيم على رضا حوحو، ومعه شخص غريب، فلمَّا سأل عنه حوحو أجابه الحمار: إنَّه "مجنون"، فيلسوف في الجنون، أو مجنون في الفلسفة، ثم قال: "لست أدري إذا ما كان صاحبي هذا مجنونًا حقاًّ، ولكنَّ الذي أعلمه أنَّ البشر اصطلحوا على أن ينعتوه بالمجنون، وأن ينعتوا أمثاله ممَّن كثرت حقائقهم، وتجلَّت صراحتهم وانعدم تملُّقهم، وانمحى نفاقهم وبرز ذكاؤهم، وكثر فهمهم،

(1) تعرّض في هذا المحاورة إلى شقاء صاحب العقل وتعبه ونصبه، وإلى نظرة الناس إليه نظرة ازدراء واحتقار؛ لأنَّه يفهم الأشياء على حقيقتها، لا كما يراها الناس مزيَّفة، ولهذا يتصرَّف معها كما يجب، بعيداً عن النفاق والكذب والخداع. هذا ما لا يرضى به النذاس، لهذا وصفوه بالمجنون.

٣٩٢ / ٤٩٤