السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩٣

واتَّقدت أذهانهم. وإذا أمعنت النظر في هذه الصفات مستقلَّة وجدتها جديرة بكلِّ عبقريٍّ كامل العقل والإدراك. صفات حميدة يرتضيها الإنسان ويرتاح إليها، ولكنَّ الناس اصطلحوا على أن لا يروها مجتمعة في شخص إلاَّ قالوا عنه إنَّه مجنون، كما اصطلحوا على أن لا يصفوا بالعقل إلاَّ من كان في بلادة الحمار -كما تقولون عنَّا- وغباوته، ومكر الثعلب ونفاقه، وحيلة الذئب وخداعه، وعلينا أن نرضى بهذا الاصطلاح ولو كارهين، وأن نقبل بهذا الحكم ولو مرغمين؛ لأنَّ البشرية أجمعت رأيها على ذلك، ومن يخالف إجماع البشرية أدخل في زمرة المجانين، وأخرج من حظيرة العقلاء، وحكم عليه بالحرمان من نعمة العقل"(1).

يصوِّر النص المفارقة العجيبة التي تنتشر بين الناس، وتعيش معهم، وهي وصف الإنسان السويِّ العاقل، الذي ينسجم تفكيره مع مبادئ العقل، وصفه بالمجنون، كما يكشف النص عن هذه المفارقة بواقعية واضحة وسخرية معرِّضة.

سجلَّ الكاتب بعض هذه المظاهر التي تتجلَّى فيها هذه الظاهرة (جلاء الحقائق، ظهور الصراحة، انعدام التملق، انمحاء النفاق، بروز الذكاء، كثرة الفهم، اتِّقاد الذهن … ). وفي ذكر هذه المظاهر بهذه الرؤية الواقعية تعريض بمن يفهم ويعتقد أنَّ هذه الأمور تصنِّف أو تُدخل صاحبها في زمرة المجانين، ومن يخالف هذه القاعدة يحكم عليه بالحرمان من نعمة العقل.

هذه المفارقة أثارت مشاعر الكاتب وهزَّت عاطفته، وحرَّكت وجدانه، فتحرَّك خياله ليبحث عن الأسلوب المناسب للإفصاح عن هذه المشاعر والأفكار، فاهتدى إلى التعبير غير المباشر: تعريضًا وتكنية واستعارة وتصويرًا، ومبالغة في إبراز الظاهرة (المفارقة). وقد عمد إلى التفصيل والتفريع والإطناب والتبسيط؛ لإقناع المتلقِّي بفكرته التي أخذها عن المجتمع وهي التخلف، ما دام يفهم الحقائق معكوسة، وهي تسمية المجنون عاقلاً، والعاقل مجنوناً.

(1) مع حمار الحكيم، ص: 64، 65.

٣٩٣ / ٤٩٤