السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٩٤ثم لجأ إلى إيراد معان متتالية، وألفاظ متتابعة، تدفَّقت أمامه تدفُّق مشاعره التي لا تنتهي، والتي لم يتمكَّن من الحدِّ منها؛ شعورًا منه بأنَّ الألفاظ والجمل لم تستطع شفاء غليله وإطفاء حرقة قلبه، والبوح بكلِّ ما يشعر ( … ممَّن كثرت حقائقهم، وتجلَّت صراحتهم، وانعدم تملُّقهم … ) (إلاَّ من كان في بلادة الحمار وغباوته، ومكر الثعلب ونفاقه، وحيلة الذئب وخداعه … ) وقد تعمَّد أيضًا تكرير المعاني (أدخل في زمرة المجانين، وأخرج من حظيرة العقلاء، وحكم عليه بالحرمان من نعمة العقل … ).
تُعدُّ هذه بعضًا من سمات الكتابة الرومانسية؛ إذ أنَّ كتَّابها لا يشفون من الانفعال "إلاَّ بالإلحاح على الألفاظ المتتالية، لأنَّ المرادف الواحد أو الصفة الواحدة لا تطفئ لهم غليلاً … والرمانسيُّون هم كالبدائيِّين يعظم شأن النعوت في شعرهم لانسياقهم بحماس اللفظ وهوسه"(1). هكذا امتزجت في نصِّ رضا حوحو الواقعية بالرومانسية في التعبير والكتابة.
هذه الخاصية اتَّسم بها - أيضا- نصُّ "حذار من الورع الغادر والسخاء الماكر"(2)، لمن سمَّى نفسه "بوسعادي"، فقد عرض فيه واقع بعض لصوص الطرق، أو اللصوص الورعاء الأسخياء، الذين يتظاهرون بمظاهر الورعين؛ ليستغفلوا الناس، حتى يسلبوهم أموالهم وأرواحهم. صوَّر ذلك بواقعية لم تخلُ من رومانسية.
هذه نماذج من النصوص التي تشير إلى وجود ظاهرة الواقعية المصبوغة بالرومانسية في الأدب الجزائري الساخر. هذه الخاصية أفرزتها المأساة التي كان عاشها الشعب الجزائري.
حاول الأديب ذو الرسالة الاجتماعية أن يخفِّف من هذه المأساة، فعمد إلى وصف الواقع، وعرضه بتفصيلاته وجزئيَّاته. ومن خلال ذلك عمد إلى توجيه الأحداث أو الظواهر التي لحظها في الواقع إلى ما يخدم هدفه وغايته، وهي العمل
(1) محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث، ص: 346. نقلاً عن إيليا حاوي، أبو القاسم الشابي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة 1981م، ص: 95.
(2) ينظر جريدة البصائر الأولى، ع:174 (14/ 07/1939م).