السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٩٧كتب محمد السعيد الزاهري يتهكَّم من طلبة شمال إفريقيا الذين أذلهَّم الاستعمار، وقهرهم، حتىَّ أصبحوا لا يتحرَّكون إلاَّ بوحي منه، ولا يقومون بأيِّ عمل إلاَّ ليلبُّوا ويحقِّقوا مطامحه، ولا يسيرون إلاَّ بتوجيهه، معطِّلين بذلك كلَّ جوارحهم، أو بالأحرى فقدوا الحرية في التحكُّم فيها: … "ولو أنَّ أبناءنا اهتدوا بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وتخلَّقوا بخلق القرآن لما غلبنا الاستعمار على أفئدتهم وأسماعهم وأبصارهم، حتىَّ صاروا ولهم قلوب لا يفقهون بها إلا ما يرضي الاستعمار، ولهم آذان لا يسمعون بها إلا ما يرضي الاستعمار ولهم أعين لا يبصرون بها إلاَّ ما يرضي الاستعمار. إن الاستعمار أيُّها السادة يقول: ما منع المسلمين أن يندمجوا فينا إلا القرآن الذي جعلهم يندمجون في الأتراك، ويرضون بهم سادة حاكمين عليهم"(1).
هذه الصورة التي أعطاها الكاتب لهؤلاء الطلبة الذين أساؤوا فهم الإسلام؛ حين استطاع الاستعمار أن يحتلَّ عقولهم ويبثَّ بينهم الزيغ والضلال، استوحاها من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(2).
فحين يستحضر المتلقِّي هذه الآية تتملَّكه السخرية من هؤلاء الطلبة؛ إذ الآية تشير إلى صنف من الناس يتَّصفون بالغفلة والسفاهة والحيوانية … لأنَّهم حادوا عن الفطرة البشرية، وعطَّلوا الأجهزة التي وهبهم الله إيَّاها ليدركوا بها الحقائق، ومن ثمَّ يؤمنوا بالله خالقهم، والمنعم عليهم بتلك الجوارح؛ ولهذا استحقُّوا أن يكونوا من ذرء جهنَّم. كما أنَّ الطلبة عطَّلوا هذه الأجهزة التي وهبت لهم ليدركوا بها واجباتهم نحو وطنهم، فينهضوا للقيام بها.
يستمرُّ الكاتب في التهكم، فيضيف: إنَّ هؤلاء يعطِّلون هذه الجوارح في جانب معرفة الدين ويوظِّفونها في خدمة الاستعمار؛ لأنَّه امتلك قلوبهم، واحتلَّ
(1) الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، دار الكتب، الجزائر، سنة 1983م، ص: 38، 39.
(2) سورة الأعراف، الآية: 179.