السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩٨

عقولهم، وتحكَّم في حواسِّهم. إنَّ التحوير الذي قام به الكاتب في الصورة القرآنية مَنَحَ صورته سخرية واحتقارًا وهزءًا أكثر.

أمَّا "إيَّاس" فيستوحي قول الله تعالى مُمْتَنًّا على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حين ساومه المشركون في ترك دعوته، باستهوائه بمختلف أنواع الإغراء، وبتهديده أحيانًا أخرى بالنّفي وإخراجه من مكَّة: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً … وَإِنْ كَادُوا لَيْستَفزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبثُونَ خَلفَكَ إلاَّ قَلِيلاً … ﴾(1) فقال على لسان أحد الطرقيِّين: "بارك الله فيك كذلك، ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا، إذا لدعونا عليك دعوة سوء من دعواتنا المشهورة، تهوي بك في مكان سحيق"(2). قال الأهوج لأبي دلامة (وهما شخصيَّتان من أبطال جلسة المخذولين) هذا الكلام، حين اعترف أبو دلامة أن السبب في تطوُّر أعمال المصلحين وانتشار آثارهم هو شدَّة مناوءاتنا لهم. ولما سأله الأهوج عن إجابته وتعليقه على من أدرك هذه الحقيقة، ووقف على نجاح المصلحين في أعمالهم، وتفوُّقهم في المجال الفكري والأدبي، أجاب أبو دلامة إنَّي استعملت معهم أسلوب السفسطة والمواربة، والتمويه، ولم أعترف لهم بشيء من ذلك. بعد ذلك قال له الشيخ المقولة آنفة الذكر.

فسخرية الكاتب تكمن في استيحائه هذا الموقف القرآني مع تحوير في مضمونه؛ ليستجيب لمشاعره وحالته النفسية. إذ أنَّ الآيات تشير إلى التوفيق إلى الهداية وإلى الخير؛ ولهذا امتنَّ الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. بينما يشير النص إلى التوفيق إلى الضلال وفعل الشرِّ؛ لأنَّ التثبيت في نهج الطرقية المناوئ للمصلحين هو صدٌّ عن سبيل الله. وهنا يكون منُّ الشيخ على أبي دلامة، وتقرير الكاتب ذلك سخريةً وتهكما وازدراءً.

(1) ينظر سورة الإسراء، الآيات: 74 - 76.

(2) إيَّاس، "جلسة المخذولين"، وادي ميزاب، ع: 79 (20/ 04/1928م).

٣٩٨ / ٤٩٤