السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٠٠

الطعام فلم تأكل. بعد أن فعل معها ذلك تهكما وسخرية، وأقام الحجَّة عليها ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾(1) أي أفرغ شحنة غضبه، وشفى نفسه من الحسرة والضيق من هذا الضلال المبين. كذلك فعل الإبراهيمي ذلك مع العاصمي قولاً لا عملاً، كما صنع إبراهيم - عليه السلام -. وإن كان ذلك يصيب المسخور منه في نفسه وشخصيته؛ لأنَّ الإشارة إلى هذا المشهد القرآني يكفي لإثارة حفيظة العاصمي. إذ الكاتب بذلك يعدُّه صنمًا من حيث أنَّه هيكل لا يحرِّك ساكنًا، وجامداً لا حياة فيه. ومن حيث كونه عنوان الغواية والضلال. ويزيد الكاتب النص سخرية، والمسخور منه احتقاراً، حين يستعير جواب المشركين لمّا ليموا لماذا تعبدون الأصنام: نحن نعبدهم ليقرّبونا من الله: … ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءََ مَا نَعْبُدُهُمُ إلاَّ لِيُقرِّبُونَا إِلى اللهِ زُلْفَى … ﴾(2) أي إنَّ العاصمي يكثر من المناوأة ومضايقة المصلحين ليزداد قربًا من معبوده وهو الاستعمار. هذه الصورة بهذه الإشارة كافية لزرع بذرة احتقار العاصمي وازدرائه والسخرية منه في قلوب المؤمنين.

الشخص الذي يتّصف بهذه الصفة، يكون مزعزع العقيدة، هو كمن يعبد الله على حرف يتّجه في عبادته إلى أيّ شيءٍ: شخصٍ، وثنٍ، ذي مصلحة وحاجة … هكذا كان العاصمي بئس المولى وبئس العشير كما قال تعالى: ﴿يَدْعُو لمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِير﴾(3).

هكذا نلحظ أنَّ الأدباء كانوا على وعي كبير في عملية الاقتباس من القرآن. وقد تمكّنوا من تصوير مشاعرهم، وتقديم أفكارهم بواسطة التركيبات القرآنية المستلهمة. وهذا أحد المظاهر الذي ظهر فيه الأدب الجزائري الساخر. مع ملاحظة أنَّ هناك نصوصًا خالف فيها الحظّ أصحابها في تكوين سخرية.

(1) سورة الصافات، الآية: 93.

(2) سورة الزمر، الآية: 3.

(3) سورة الحج، الآية: 13. لمزيد من الوقوف على دلالة اقتباس هذه الآية على السخرية والتهكم، ينظر الآيات التي قبلها وتفسيرها، كتاب في ظلال القرآن، مج4، ج17، ص: 2412، 2413.

٤٠٠ / ٤٩٤