السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢وجهة نظر الكاتب. كما كانت رسالة الجاحظ كلُّها أسئلة مبكتة: " … بأن أسأله (أي أحمد بن عبد الوهاب) عن مائة مسألة، أهزأ فيها، وأعرِّف الناس مقدار جهله … "(1).
في النصين هجاء وقصاص وتأديب وزجرٌ وتعريض واستهزاء واستخفاف عابث، وتهكم مرير، وغمزات موجعة، وحرص كبير على حماية المجتمع من أمثال الرجلين في أخلاقهما، ورغبة ملحَّة في الكشف عن عيوبهما، وإبراز حقيقتهما بأسلوب أدبي ساخر غير مباشر.
نجد في مقال الإبراهيمي كثيرًا من الخصائص والملاحظات التي استخرجها الدارسون من رسالة التربيع والتدوير: مثل: التباله والمبالغة والمدح الكاذب ا لسَّاخر والاستعانة بضروب المفارقات، والتبكيت واستدراج المسخور منه إلى أن يظهر خطأ ما يعتقده أو ما يتبنَّاه. ويبين عن جهله وغروره، واستعمال جمل اعتراضية هادفة إلى السخرية والمزاوجة والتفلسف، والإيغال في توظيف النزعة العقلية، التي قد تفقد التهكم نكهته وقيمته، والميل إلى تشقيق الكلام والمحاججة، والإكثار من إيراد المترادفات، والاستشهاد بالقرآن والحديث والحكم والأمثال والإشارات التاريخية والشعر … والمقابلة بين المسخور منه وأصحاب الأمجاد، وإظهار تفوُّقه عليهم؛ سخرية وتهكما. واستعمال السجع غير المتكلَّف في كثير من الأحيان، وتوظيف المعارف المختلفة في توليد السخرية والتهكم.
يسرف البشير الإبراهيمي أحياناً في الهجاء، حتى يتجاوز فيه أسلوب السخرية إلى أشياء أخرى. ولقد انقلب المقال في كثير من فقراته -كما كان شأن رسالة التربيع والتدوير- هجاء مقذعًا، وغمزات موجعة؛ بفعل التصوير الكاريكاتوري، الذي اعتمد فيه الكاتب على التوليد والاشتقاق، بداية بالعبث بكنية عبد الحيِّ ولقبه واسمه، وانتهاء يسرد مواقفه ومخازيه: "حتى إنَّ المقال غدا إبَّان نشره حديث الأدباء وسمرهم، يتندَّرون بما جاء فيه، متظرِّفين بمقاطع منه في مجالس
(1) م. س، ص: 188.