السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٠٤إذا أرجعنا ما حملته كلُّ جملة من فكرة إلى المعنى العامِّ والمشترك بينها وجدناها تدلُّ على أنَّ عبد الحي الكتاني فتنه في يد المستعمر، وآلة مسخَّرة له، وحربًا على المسلمين … وقد لجأ الكاتب إلى المبالغة في تقدير شخصية المسخور منه؛ حين وصفه بأنَّه حمَّى وطاعونًا وأذنًا ولسانًا وعينًا ورجلاً وبركة …
أمَّا الجاحظ فقال في تقرير حقيقة أحمد بن عبد الوهاب. (نلحظ فيها الملاحظات التي ذكرناها من نصِّ الإبراهيمي): … "وكان ادِّعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلُّفه للإبانة عنها على قدر غباوته فيها … وكان قليل السماع غُمرًا وصَحَفِيًّا غُفْلاً(1) لا ينطق عن فكر، ويثق بأوَّل خاطر، ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق، يعدُّ أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلَّق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلاَّ الانتحال لاسم الأدب"(2).
المبالغة الساخرة في نصِّ الإبراهيمي تبدو أيضا في الفقرة الآتية: … "ولكنَّ السوأة التي لا توارى، والزلة التي تضيق عنها المغفرة، والعظيمة التي يستحي الشيطان أن يوسوس بها، والشنعاء التي لا يقدم عليها إلاَّ من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق في علم الشرِّ … وما كنَّا نتصوَّر أنَّ شرَّ شرِّير يتَّضع قدره إلى هذا الحدِّ، أو يتَّسع صدره لحمل هذا الوسام، وسبحان من يزيد في الخلق ما يشاء"(3).
المبالغة نفسها عن طريق المدح الكاذب الساخر تبدو أيضا في وصف الجاحظ: … "وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها (كذا) خَوْدٌ إلاَّ وهي تعثر باسمك، ولا قينة إلاَّ وهي تغنِّي بمدحك، ولا فتاة إلاَّ وهي تشكو تباريح حبِّك، ولا محبوبة إلاَّ وهي تَثْقُبُ الخروق لممرِّك، ولا عجوز إلاَّ وهي تدعو لك، ولا غيور إلاَّ وقد شقي بك، فكم من كبد حرَّى منضجة ومصدوعة مفرثة … وكم عبرى مولهة وفتاة معذَّبة، قد أقرح قلبها الحزن، وأجمد عينها الكمد" …(4)
(1) الغُمر بضمِّ الغين: من لم يجرِّب الأمور. والصَحفي من لم يلق العلماء، وإنَّما أخذ علمه عن الصحف. والغُفل: المجرَّد من المزايا.
(2) رسائل الجاحظ، ص: 187.
(3) عيون البصائر، ص: 611.
(4) رسائل الجاحظ، ص: 217.