السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٠٩

وليلة، فخرج يجول في أنحاء المدينة، فالتقى هناك بكثير من الأدباء الأبرار، وجدهم في بستان النزهة، وبين أيديهم جريدة (السلسبيل) التي تصدر في عدن، فوجد فيها قطعة هذا عنوانها: "أهلا وسهلاً"، سيصل غداً هنا حضرة النور في الطيَّارة من الأرض من قارة إفريقيا من بلد الجزائر، منفيًّا من أرضه مارًّا للفردوس (ديريكت) ويكون غذاؤه الرسمي عند أمير الصحافة السماوية، وعشاؤه عند سلطان العلوم والمعارف، ثمَّ يصعد إلى مقرِّه. فاستغرب النور لهذه الأنباء، ولهذه الحياة الجديدة فقال: "إذا طَرْدَكْ البخيلْ عند الكْريم تْبَاتْ "، ووجد هناك تربة خصبة للجرائد"(1).

واضح من هذه الفقرات أنَّ الكاتب كان يقصد - من خلال سرد هذه الرحلة الطريفة- أن يرفع من شأن أبي اليقظان، وفي الوقت نفسه يسلِّيه ويصبِّره، ويزرع فيه الأمل لمواصلة الكفاح، ولا يعبأ بتعسُّفات المستعمر وحيفه. فإنْ نال من قدره العدوُّ الفرنسي فإنَّ عظماء الإسلام الذين مضوا إلى ربِّهم يعرفون قدره ومكانته، ويباركون أعماله. بدليل استقبال ثلاثة منهم لجريدة النور الموؤودة، وفتح باب جنَّة الفردوس ليدخلها مباشرة بدون حساب، وهي جائزة أولياء الله الذين عبدوه وبإخلاص وصدق، ثمَّ يكون بعد ذلك معزَّزًا مكرَّما، ومضيَّفًا عند رموز الثقافة الأصيلة: أمير الصحافة، وسلطان العلوم والمعارف … أراد الكاتب أن يعوِّض الإهانة التي لحقت أبا اليقظان في الأرض عزَّة وكرامة في السماء، بدليل قوله عن طريق مثل عامي: "إذا طرْدَكْ البخيل عنْدَ الكْريم تْباتْ".

هنا نشعر أنَّ لقمان حمُّو يتنفَّس في جوِّ "رسالة التوابع والزوابع" إذ فيها حاول ابن شهيد التماس "التقدير والتكريم عند من هم أعلى قدرًا من معاصريه وأوفى شهرة وأعلى كعبًا في الأدب بفرعيه الشعر والنثر، فهداه خياله الخصيب إلى كتابة قصَّته"(2). وذلك بعد أن شعر أنَّ الأدباء والنّقاد لم يولوه اهتمامًا يليق بمكانته ومنزلته الأدبية، بل كانوا يحقدون عليه ويحسدونه. وقد تردَّدت في الرسالة

(1) م. س، ع: 6 (06/ 06/1933م).

(2) الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، ج:2، قسم النثر، ص: 600.

٤٠٩ / ٤٩٤