السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤١١

ومن الآثار الأدبية التي استلهمها الأدباء الجزائريُّون في مجال السخرية رسالة ابن زيدون الهزلية في هجاء ابن عبدوس؛ إذ نجد لها أثرًا واضحًا في مقال الإبراهيمي " إلى الزاهري"(1). فابن زيدون (394هـ- 463م) تهكم بابن عبدوس وسخر منه سخرية نالت من مكانته، ورماه بعيوب لا حصر لها، وسلبه آدميَّته، وجرَّده من الرجولة، مستلهمًا كثيرًا من الأمثال والإشارات التاريخية وبعض الأعلام …

وقد كتبت الرسالة إثر عداوة بين الرجلين بعد صداقة كانت جمعتهما(2). كذلك كتب الإبراهيمي مقالته إثر عداوة بينه والزاهري، بعد صداقة جمعتهما في إطار أعمال المصلحين، وجمعية العلماء. وعلى غرار سلفه ابن زيدون فقد حشد في مقالته كثيرًا من الأقوال من القرآن والأمثال العربية والإيماءات التاريخية، ومصطلحات معروفة في مختلف المعارف كالحلول والتقية، والمفهوم والمنطوق … استلهمها تهكما وسخرية.

قال الكاتب: "كتبت - أيها الشيخ- كثيرا من الباطل، وسنكتب قليلاً من الحقِّ، ولكنَّ قليلنا لا يقال له قليل، ولو كنت وحدك تكتب بقلمك، وتقول بلسانك، وتعبِّر عن فكرك لأوليناك جانب الاهتمام، وسكتنا عنك طول العمر، كما سكتنا عنك في ماضيك القريب، وفي ماضيك البعيد احتقارًا لشأنك، واستهانة بما أهان الله منك، وربَّما عذرناك في مجانبتك للصِّدق، بأنَّك لا تعرفه. وإنَّما يؤاخذ الإنسان بترك ما عرف، وربَّما أثنينا عليك بالوفاء للصاحب الذي صاحبك منذ عققت التمائم وهو الكذب، وباستقامتك على الجبلة التي جبلت عليها وهي الشر، والموهبة التي خُصِّصت بها، وهي البراعة في قلب الحقائق. وربَّما رحمناك من هذه النار التي تصلاها، وهي نار الحقد، ومعذرة … فإنَّ من الميسور أن نطفئ النار ذات الوقود، وليس من الممكن أن نطفئ الحقد من صدر الحقود" …(3)

(1) جريدة البصائر، ع: 61، سنة 1948م.

(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 284.

(3) عيون البصائر، ص: 631.

٤١١ / ٤٩٤