السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤١٢بنى الكاتب تهكمه الموجع في النص من إحداث التقابل والتضاد والمقارنة والموازنة والهجاء المقذع … ساق كلَّ ذلك في ثوب من التعريض، الذي عمد فيه إلى محاولة إيجاد العذر لتصرُّفات الزاهري الخارجة عن الفطرة البشرية؛ احتقارًا واستهزاء. هذه الأوصاف كافية لتسلب الزاهري كرامته، ومن ثمَّ تنال من مكانته، وتجعله أضحوكة وأفكوهة بين الناس.
ثم قال له الكاتب أيضًا: "أتذكر - يا شيخ- ماضيك الصحافي وصحائفك الماضية، التي تهاوت في مثل عمر الزهر من (الجزائر) إلى (البرق) إلى (الوفاق) وقد ماتت كلُّها بالهزال والتسمُّم، ولو كانت ممَّا ينفع الناس لمكثت في الأرض. فاحتفظ بما بقي من أعدادها، فسيحتاج الناس إلى ما فيها يوم يكنس الله طباعهم، ويطبع على بصائرهم، فيصبح السبُّ والكذب عندهم من الفنون الجميلة. فيشيدون المعاهد العالية لتعلُّمها، ويقتبسون النماذج الرفيعة من تلك الجرائد، أتذكر يوم ضاقت بك الحيل، فعرضت همَّتك وذمَّتك وقلمك في المزاد العلني، فكنَّا أزهد المشترين فيه؟ … "(1).
هذا النص وما فيه من إقذاع وهجاء وشماتة بالزاهري، يكشف عن الحقد الدفين الذي يكنَُّه الكاتب لهذا الشخص. وهو الشيء نفسه والروح ذاتها تطالعنا بهما رسالة ابن زيدون إلى ابن عبدوس قال عنه إنَّك: … "كثير المعايب، مشهور المثالب، كلامك تمتمة، وحديثك غمغمة، وبيانك فهفهة، وضحك قهقهة، ومشيك هرولة، وغناك مسألة، ودينك زندقة، وعلمك مخرقة. فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنَّة معك سقر … وهلاَّ علمت أنَّ الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أنَّ المؤمن والكافر لا يتقاربان، وقلت الخبيث والطيِّب لا يستويان" …(2).
فالنصان وإن اختلفا في المعاني الواردة فيهما وفي طريقة الهجاء والسخرية إلاَّ أنَّهما متشابهان في الروح التي سادتهما. وهي المبالغة في تصوير ضعة المسخور منهما وذلَّتهما، وفي الدلالة على الحقد الذي يحملانه لهما …
(1) م. س، ص: 635، 636.
(2) ينظر أنيس المقدسي، تطوُّر الأساليب النثرية في الأدب العربي، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، كانون الثاني (يناير) سنة 1968م، ص: 329.