السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤١٣

وينزعه جاحظية ولذعات تشبه لذعات ابن زيدون، التي نال بها من كبرياء ابن عبدوس، كتب مفدي زكريَّاء يسخر من أحد حرَّاس السجن متفكِّهًا به، مقدِّمَه في صورة كاريكاتورية مضحكة: … "وما عسى أن أصف لك؟ وجه منتفخ الأوداج، مطبق كخبزة السميد، عينان عطشاوان صفراوان، ترشحان رَمَصًا كالدماميل، خدَّان أحمران مبلبلان كالرئة، أنف أخنس منتصب كشهادة الزور. مشفران غليظان مبرطمان كعجلة السيارة طويلان يتهدَّلان كمشفري كافور الإخشيدي، فم أبخر يتناثر منه اللعاب شظايا كفم الصلِّ، يتقلَّب فيه لسان كالخرُّوبة، يتدمدم بلغة خنشفارية، لا يفهمها إلاَّ "م. مارشاندو"، ظهر محدوب كحمَّالة الحطب، بطن شاخص يتخرخر تحت عنقه كبطن ذات التوأمين، يدان قصيرتان كأعمار الدول الجائرة، مبكبكتان كملفَّات المساجين السياسيِّين، رجلان شثنتان نافجتان كأرجل أولاد ياجوج وماجوج، نفس خبيثة سافلة دنيئة … وقد لا يدهشك أن تعلم أنَّ هذه الطامة البشرية لا تحسن القراءة ولا الكتابة" …(1)

الاستخفاف بحارس الظلم، والتندُّر بممارسات الحيف بارزان في النص. وكانت الغاية هي التعبير عن هذا الغيظ الذي ملأ قلب الكاتب، والكشف عن هذا الحقد الذي سكن صدره نحو الاستعمار. وكان الكاتب قاصدًا التنفيس عن النفس المجروحة. يؤكِّد ذلك قوله بعد ذلك: "يا حلاوته منظرا يتجدَّد كلَّما قدِّر للبومة (حارس السجن) أن يكون من حرَّاس الطبقة الثالثة التي نقطنها، فلولا هذا الانتقام العذب اللطيف - ساعة على ساعة- يسلِّينا بعض الشيء، ويشفي غليلنا لما كان باستطاعتنا أن نتحمَّل كلَّ ما يجرُّ لنا طالعه من نحس وشؤم" …(2)

هذه اللوحة التي قدَّمها مفدي زكريَّاء عن حارس السجن لا تبعد كثيرا عن وصف ابن زيدون لابن عبدوس، في روحها وفي دلالتها على الحقد الدفين، وعلى الرغبة في الانتقام والتشفِّي والحرص على التنفيس عن النفس، وفي طريقة الوصف

(1) حزب الشعب الجزائري … ص: 231.

(2) م. ن.

٤١٣ / ٤٩٤