السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤١٥اختيار الكاتب لهذا الأسلوب يعود إلى عامل نفسي، كأنِّي به لما شعر أنَّ المخاطبين والمعنيِّين بهذا الكلام لم يستجيبوا للنداءات المتكرِّرة والاستغاثات المتعاقبة، ولم يأبهوا بالتحذيرات المتتالية. لماَّ أحسَّ بذلك لجأ إلى هذا الأسلوب، وإلى طريقة الكاهن؛ تفكُّهًا وسخرية وتنفيسا عن نفسه المأزومة، لأنَّ الكاهن لا تعصى أوامره ولا تُردُّ أحكامه ولا تنقض، بل هو قادر على التنبُّؤ ومعرفة الغيبيات، من ذلك الإعذار بحدوث كوارث وأحداث.
في ذلك تعبير عن اليأس من إصلاح الوضع، أو على الأقلِّ الإفصاح عن الحسرة الكبيرة التي ملأت قلبه. مع ذلك يبقى التكلُّف هو الطابع الذي يطبع هذا الأسلوب المختار للسخرية، وهو ما أبعده من الهدف المرسوم لهذه الكتابة. الذي قال عنه الكاتب: "هذه فصول إنَّ لم تكن فيها روح الكاهن، ففيها من الكاهن سجعه، وإن لا يَجُل في جوانبها صدى الكهانة ففيها من ذلك الصدى رجعه، فيها الزمزمة المفصحة، والتعمية المبصرة، وفيها التقريع والتبكيت، وفيها السخرية والتنكيت، وفيها الإثارة اللاَّمحة، وفيها اللفظة الجامحة، وفيها العسل للأبرار، وما أقلَّهم، وفيها اللسع للفجَّار، وما أكثرهم، فلعلَّها تهزُّ من أبناء العروبة جامدًا، أو تؤزُّ منهم خامدًا، فنجني شيئًا من ثمرة النية، ونغيِّر أواخر هذه الأسماء المبيَّنة"(1).
خاطب العرب والمسلمين حين تخاذلوا في قضية فلسطين: "أقسم بالذيب الأطلس، والثعبان الأملس، إنَّ المتَّجر بالأحرار لمفلس، وإنَّ العاقل بين الأشرار لمبلس، وإنَّ العربي لزنيم إذا بقي في المجلس(2)، ذهب العزُّ الأقعس، وجلَّ الجدُّ الأتعس، ونزل من غير ما أنسى النسيب في الكثيب الأوعس، والتشبيب بالثغر الألعس. ثأر للغرب في فلسطين لم تنبت عليه شجرة من يقطين، وشياطين تنزو للإغراء إثر شياطين، ويوم في أعناقكم بيوم حطِّين، تنسيه غريزة الماء والطين، فتذْكره نعرة الجنس والدين، أنسيتم يوم تنادوا مصبحين، وتعادوا مسلَّحين، وتداعوا مصطلحين، وتعاووا من كلِّ