السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤١٦حدب، وتهاوَوْا من كلِّ صيب، ذؤبان تقدمها رهبان، وغربان تظلِّلها صلبان، بنفوس من الحقد ثائرة، وقلوب بالبغضاء فائرة، تنازعكم إرث الإسلام، ومعراج نبيِّ السلام؟ أنسيتم ما فعله صلاح الدين بالمعتدين؟ إن نسيتم أمسكم فهم له ذاكرون، وإن كفرتم بيومكم فهم له شاكرون، أين كنتم يوم أعطوا العهود لليهود؟ أم أين كنتم يوم جاؤوكم بالفهود في المهود؟ أم أين كنتم يوم آمنوا بإسحاق وكفروا بهود؟ كلُّ ذلك وقع وأنتم شهود، ولكنَّهم كانوا أيقاظًا وأنتم رقود، أمعنوا في الاستعداد وأمعنتم في الرقاد، اعتمدوا على العلم (والريال) واعتمدتم على الجهل والخيال، جاؤوكم بصفٍّ واحد كملمومة الصخر وجئتموهم بصفوف متخاذلة، جاؤوكم على قلب رجل واحد، وجئتموهم بقلوب متنافرة، قادهم إلى الظفر قائد واحد ورأى جميع، وقادكم إلى العار قوَّاد متشاكسون ورأي شتيت، ما أضاع السيادة إلاَّ توزيع القيادة، اجتمعوا وافترقتم، فسلموا واحترقتم"(1).
اعتمد الكاتب في سخريته هذه على التعريض والمقارنة بين ماضي العرب وحاضرهم في التعامل مع القضية الفلسطينية. وفي ذلك عتاب ولوم على التخاذل. كما عمد إلى المقابلة بين جدِّية الغرب واليهود في الاستيلاء واكتساب مزيد من القوَّة، وبين العرب المتخاذلين المتقاعسين واكتساب مزيد من أسباب الهوان والضعف … كما لجأ إلى التكرار، وأسلوب التبكيت عن طريق الأسئلة المحرجة المحزنة … والتلوين الصوتي. وقد اختار من أساليب سجع الكهَّان الإغراب واللجوء إلى القسم والسجع ولزوم ما يلزم والرمز. إلاَّ أنَّ هذه الأساليب المعتمدة تظلُّ دون بلوغ الكاتب هدفه من تحريك النفوس وهزِّها لتقوم بواجبها، للتكلُّف الذي وسم هذه السخرية في كثير من فقراتها. ويبقى لها هدف التنفيس عن النفس.
المهمُّ أنَّ أثر سجع الكهَّان المعروف في الأدب الجاهلي واضح في هذه الفقرات؛ إذ فيها روح ما جاء في قول "زبراء" كاهنة بني رئام. يروى أنَّها أنذرت قومها غارة عليهم: "واللوح الخافق والليل الغاسق والصباح الشارق والنجم الطارق
(1) عيون البصائر، ص: 601، 602.