السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٢

متخمين بالطعام، بينما جاراتهم يتضوَّرن جوعا ومسغبة. ولشدَّة وقع السخرية في نفس علقمة فإنَّه بكى حين سمع ما قاله الأعشى:

تَبيتونَ في المشْتى مِلاءً بُطونُكم … وجاراتُكُم جَوعىَ يَبِتْنَ خَمائِصَا

يُراقِبْنَ من جوعٍ خِلال مَخَافَةٍ … نُجومَ السماءِ العاتِماتِ الغوامِصَا(1)

نلحظ في الأبيات ورود كلمتي: سخر، وضحك، اللتين تستدعيان الفكاهة عادة. والضحك هنا في هذا السياق لا يعني سوى التفكّه من الخصم؛ لأنَّه جاء في معرض واحد مع السخرية (كم ضاحك من ذا ومن ساخر).

وقال قريط بن أنيف المزني يتهكَّم بقومه:

يَجْزونَ من أهلِ الظُّلمِ مَغفرَةً … ومِن إِسَاءَةِ أهلِ السُّوءِ إِحسانَا

كَأَنَّ ربَّكَ لم يَخلُقْ لِخَشْيَتِهِ … سِواهُمْ من جَميعِ النَّاسِ إنسانَا(2)

فالتهكم متوفِّر في النص بواسطة التعريض الذي بناه الشاعر من أسلوب الذمِّ بما يشبه المدح. أو ما يسمَّى المدح الساخر.

بالأسلوب نفسه كتب طرفة بن العبد يسخر ويتهكَّم من ابن عمِّه، زوج أخته عبد عمرو، وقد كان سميناً، وكانت أخته قد شكت له أمر زوجها:

ولا خَيْرَ فيه غَيْرَ أنَّ لهُ غِنىً … وأنَّ له كَشحًا - إذا قام – أهضَمَا(3)

يَظَلُّ نِساءُ الحيِّ يَعكفِنَ حَوْلَهُ … يقلن: " عسيبٌ من سَرَارَةِ مَلْهَمَا "(4)

(1) ديوان الأعشى، ص: 100. الغوامص، الواحدة غامصة من غمصت عينه: سال غمصها، وهو وسخ أبيض يكون في مجرى الدمع. والمراد: ضعيفة النور.

(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 61.

(3) الأهضم: النحيف اللطيف.

(4) ملهم: موضع كثير النخل. السرارة من الشيء أوسطه وأفضله. ينظر ديوان طرفة بن العبد، دار صادر، بيروت (د. ت) ص: 82.

٤٢ / ٤٩٤